ليالي نرويجية (الحلقة الثالثة)  بقلم : نضال حمد


قبل موعد الانتقال الى معسكر جديد في قلب العاصمة أوسلو وصلت دفعة جديدة من اللاجئين ،غالبيتهم من يوغسلافيا السابقة والصومال ، كان معظم زملائي يحضرون أنفسهم لمغادرة المخيم باتجاه شمال أو غرب النرويج ، حيث تم نقلهم الى مخيم آخر. أما آخر المغادرين منهم كان الأخ محمد المغربي، الذي تعلم فن الحلاقة وقص الشعر برؤوسنا. ولو كنا نملك أوراقاً لأعطيناه شهادة معتبرة ودبلوم أحمر .


في المرة اليتيمة التي سلمت بها رأسي لمحمد (كنت ايامها مازلت لم أدخل عالم الصلع) وفعلت ذلك مجبراً لأنه لم يكن لدي فلوس كافية كي أذهب الى صالون حلاقة لقص شعري، فقصة الشعر في الصالون تكلف من 30 الى 50 دولاراً أمريكياً أو أكثر. اشتغل سي محمد برأسي وقصقص شعري كيفما أتفق، وعندما أنتهى من عمله ، سلمني مرآة صغيرة و قال لي : أنظر وقل لي ملاحظاتك..


نظرت في المرآة فوجدت نفسي شخصاً آخر. أما التسريحة فكانت لا تختلف كثيراً عن تسريحات بقية عرب المخيم. إذ أنهم كلهم تعرفوا قبلي على مقص سي محمد المغربي.


قلت لسي محمد : هل سبق لك وعملت حلاقاً في السجن أو في الجيش؟
قال : لا ... فقط حلقت (للدراري) للأولاد باللهجة المغربية ..
بعد ذلك شكرت سي محمد .. ولكن عندما غادر المخيم في اليوم التالي ، رجوت صديق لي أن يحلق لي ما تبقى من شعر على رأسي وفعل ذلك..



في أحد الايام أصبت بنزلة صدرية حادة و زكام والتهابات في الحنجرة ، ذهبت الى عيادة المخيم ، لم يكن هناك أي طبيب بل ممرضة ، شرحت لها حالتي، قالت لي هذا شيء طبيعي ، اشرب شاي وتناول الليمون ، وناولتني حبات ثلاث من دواء مسكن اسمه باراسيت، مضاد للصداع والآلام. في ذلك اليوم وصلت درجة حرارتي نحو 40 درجة. عدت الى غرفتي ، تناولت بعض الباراسيت ثم تمددت على سريري فغططت في نوم عميق، لم أنهض إلا في صباح اليوم التالي.

كانت تصل الى المعسكر جريدة الأهرام المصرية والعلم أو القلم المغربية، لم أعد اذكر الاسم.. واحياناً الشرق الأوسط السعودية ، ولم يكن الانترنت معروفا على نطاق واسع في تلك الفترة (1992). على الأقل أنا شخصياً كنت لازلت أجهله تماماً. كنا نفرح بالجرائد العربية رغم انها جرائد رسمية تمثل سياسة معينة لدول عربية، كنا نفرح باقتنائها واستعارتها وقراءتها من الصفحة الأولى الى الأخيرة. فلا شيء عربي في ذلك المدى المفتوح إلا الجريدة وبعض المترجمين الذين يأتون للترجمة مع الشرطة النرويجية أو عمال وموظفي جميعة الصليب الأحمر النرويجي. هؤلاء لا يكثرون من الحديث مع اللاجئين.


حدث ان الجرائد كانت في بعض الأيام تختفي من رف الجرائد في مكتب ادارة المعسكر، لنكتشف فيما بعد أن احد هواة حل الكلمات المتقاطعة كان يختطفها ولا يعيدها. ابتكرنا لهؤلاء حلولاً عملية، قمنا بتصوير الكلمات المتقاطعة وتسليمهم نسخاً منها كلما كانت هناك كلمات متقاطعة في الجرائد. وبهذه الطريقة تغلبنا على تلك المشكلة. إذ هددتنا ادارى المعسكر بوقف شراء الجرائد إذا استمرت عملية سرقتها.

المسافة بين منطقة " تانوم" حيث المعسكر وبلدة "ساندفيكا" الصغيرة ،الجميلة ، المجاورة، كانت تستغرق أقل من عشر دقائق بالاوتوبيس. تقع ساندفيكا في الطريق بين بلدية "باروم " و "اسكر " والعاصمة اوسلو ، ويتداخل فيها لسان بحري متعرج، ويشقها نهر صغير، تتكاثر فيه اسماك السلمون في موسمها. سألني صديقي المقيم في ساندفيكا وتطل شرفته على النهر ، أن كنت أعرف صيد سمك السلمون .. أجبت بالايجاب، ظناً مني أن صيد السلمون مثل صيد كل الأسماك.. حملت القصبة والصنارة الوحيدة ووقفت قرب النهر ، وقبل ان اسمع كلمات صديقي رميت بالصنارة والخيط باتجاه النهر ، رست الصنارة في قاع النهر وعاد الخيط، الذي اكتشفت أنني لم أقم بربطه بالصنارة بشكل جيد. وبعد ذلك عدنا وصديقي نضحك من جهلي..

البلدة مرتبة ومنظمة بشكل جيد. وتوجد فيها شبه جزيرة ، يقام فيها مهرجان موسيقي للشباب كل عام، وفيها شواطئ للسباحة. هناك يمكن لكل انسان قادم من عالم الكبت والحرمان أن يقضي وقته الصيفي يراقب ويلاحق الصدور النافرة والمؤخرات بكل اشكالها واصنافها والوانها. الكثير من النساء هناك لا يرتدين سوى الجزء السفلي من البيكيني. في بداية الأمر كان الأمر غريباً عجيباً للكثيرين ، وقد قضى بعضهم جل وقته هناك. لكن مع الأيام وبعد الانتقال الى اوسلو اصبح الأمر شيئاً عادياً, إذ لا يوجد مسبح عام لا يخلو من فتاة أو امرأة سواء كانت شابة أم طاعنة في السن لا تخلع الجزء الأعلى من البيكيني. .. بداية كنت كما البقية لكن مع ألايام مللت وصارت تلك المشاهد تستفزني وتقرفني. لحسن الحظ أن الطقس هنا بارد في معظم أوقات السنة ، وموسم قلع الملابس والأجزاء العليا من البيكيني قصير ولا يستمر طويلاً.


تجاوزت الفترة الانتقالية ورحلت من المخيم الإعدادي الأول إلى مخيم "بيستوم" في مدينة أوسلو حيث أستمر سكني هناك لمدة تزيد على العام ونصف العام بانتظار رحمة دائرة اللاجئين وإقامة جاءت بعد حوالي السنتين من العيش ، مع خليط غريب عجيب من الناس والبشر.

كان في المعسكر من السهولة بمكان معرفة أو تمييز أصناف وأنواع الوعي عند اللاجئين. إذ تواجد بيننا المثقف والكاتب والطبيب والمهندس والسياسي والدبلوماسي السابق والفنان ورجل الدين جنباً الى جنب مع الأمي والجاهل .. كذلك كان هناك الناس البسطاء الطيبين، الذين اضطرتهم المآسي الى الهجرة والاغتراب واللجوء لأماكن آمنة في آخر بقاع الارض الاوروبية.

في الحلقة القادمة سوف نتعرف على المعسكر الجديد والحياة هناك..


يتبع

الحلقة الرابعة
 


روابط الحلقات السابقة من ليالي نرويجية لنضال حمد

  --------------------------------------------------

ليالي نرويجية
 نضال حمد
الحلقة الأولى


قبل سنوات طويلة لم أفكر قط أنني سأعيش في هذا البلد البعيد والنائي ، لم تكن النرويج بالنسبة لي أكثر من ضيعة صغيرة تغطيها الثلوج وتعيش على الثروة السمكية وخاصة سمك السلمون، المعروف هنا في النرويج بسمك لاكس... لم تكن النرويج ذات شهرة قبل اكتشاف النفط والغاز في بحرها الذهبي.. ثم زادت شهرتها بعدما أصبحت عاصمة السلام المرفوض من المعنيين به.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد

( الحلقة الثانية )

صعقت إذ بعد تقديم طلب اللجوء والاستئناف جاءني رفض سريع ، وأعيد سبب الرفض بالأساس لاعتقاد المختصين في دائرة شؤون اللاجئين النرويجية بأن الفلسطينيين في لبنان لا يعانون من مشاكل عرقية وسياسية وأمنية.. مع أن المخيمات الفلسطينية في لبنان في تلك الفترة كانت تشهد ظروفاً أمنية لم تكن أفضل مما تشهده هذه الأيام. الفلسطينيون كانوا يعيشون مشاكل داخلية وموجة اغتيالات وتفجيرات شبه يومية، بالإضافة لمعاملة مهينة وغير محترمة من الدولة اللبنانية. أما النرويجيون فأعتقدوا أن المسألة السياسية والعملية التفاوضية (مدريد أوسلو ) تسير نحو تحقيق السلام ، لذا لم يعد هناك مشكلة.. لكن اتضح فيما بعد انه تفكير سطحي وساذج، لأن مقتل رابين اثبت استحالة تحقيق السلام. ثم جاءت الانتفاضة فقلبت كل شيء.. وكانت نتيجة حتمية لعمليات القهر والقمع والفقر والاذلال وتواصل الاحتلال وتوسع الاستيطان ، هذا بالرغم من سلام الشجعان.
>>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقة الثالثة

قبل موعد الانتقال الى معسكر جديد في قلب العاصمة أوسلو وصلت دفعة جديدة من اللاجئين ،غالبيتهم من يوغسلافيا السابقة والصومال ، كان معظم زملائي يحضرون أنفسهم لمغادرة المخيم باتجاه شمال أو غرب النرويج ، حيث تم نقلهم الى مخيم آخر. أما آخر المغادرين منهم كان الأخ محمد المغربي، الذي تعلم فن الحلاقة وقص الشعر برؤوسنا ..
>>>

 

  --------------------------------------------------

الي نرويجية

الحلقة الرابعة

بقلم نضال حمد


معسكرنا الجديد أو مخيمنا الثاني في النرويج كان في منطقة بيستوم بالضاحية الغربية لمدينة أوسلو ، ولم يكن يبعد عن مطار أوسلو سوى مسافة عشر دقائق بالسيارة. كما أنه قريب من بلدة ساندفيكا ومن معسكرنا الأول في منطقة تانوم. لكنه في العاصمة. قسم المعسكر الى ست مباني خشبية ، كل مبنى كان يتألف من طبقتين. وعلى كل طابق نحو عشرة غرف، تسع منها لغير المتزوجين وغرفة واحدة للعائلات مع الأطفال. في كل غرفة يسكن شخص واحد، وقبل أن يستلم غرفته يقوم بدفع منبلغ مائة كراونة كتأمين على مفتاح الغرفة، في حال ضياع أو فقدان المفتاح لا يمكنه استرداد المبلغ المذكور. لم يكن في الغرفة الصغيرة سوى سرير ، خزانة، كرسي ومكتب صغير، ومرآة معلقة على الجدار. ولهذه المرآة قصة طريفة سوف اعود لها لاحقاً . نافذة غرفتي كانت تطل على حديقة مجاورة، بعكس الآخرين الذي كانت نوافذهم تطل على ساحة المعسكر وعلى خط السكك الحديد الذي كان بالقرب منه. أما المطبخ فقد كان مشتركاً كما الحمامات. باستثناء الفصل بين حمامات الإناث والذكور. وكذلك فان الصالون الذي وضعت فيه كنبات وكراسي وطالات وكذلك جهاز تلفزيون كان مشتركاً بين الجميع. في المطبخ ثلاث أو أربع أفران غاز لخدمة وحاجات الجميع. أما كل لاجئ فكان لديه ثلاجة صغيرة وخزانة في المطبخ. في المعسكر يوجد أيضاً مبنى ضم مكاتب الادارة والمستودعات.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالخامسة

في مخيم بيستوم للاجئين والمهاجرين الأجانب في العاصمة أوسلو قضيت نحو 20 شهرا من حياتي. كانت تلك الأشهر بمثابة تجربة حياتية فريدة من نوعها وجديرة بالاهتمام. لأنه كان من الصعب على الإنسان العيش تحت سقف واحد، مع بشر من جنسيات مختلفة ومتعددة ، في مساحة لا تزيد على 200 متر مربع، بحمام ومطبخ وصالون مشترك وتلفاز أيضا مشترك. كيف توفق بين من يريد مشاهدة حفل موسيقي وأخر يريد مباراة كرة قدم وثالث يحبذ المحطات الموسيقية مثل أل أم تي في وغيرها.؟ أو عن رابع يريد مشاهدة المسلسلات والأفلام ، و خامس لا يريد سوى خراب جهاز التلفزيون وتوقفه عن البث.. مع أنه كان من أهم وسائل الترفيه علينا في غربتنا.>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالسادسة
بعد مرور عدة أشهر على سكني في مخيم بيستوم ، أصبحت علاقتي بالادارة والعاملين هناك جيدة. وتعرفت عليهم أكثر من خلال الحياة اليومية. في تلك الفترة عرفت ايضاً بعض العادات والأعياد النرويجية وتعلمت قليلاً من اللغة. وكانت معلمتنا امرأة ايرانية متزوجة من رجل نرويجي، لم أعد أذكر اسمها بالفارسية لكن أعتقد أنه بالعربية يعني " ملاك ". وكانت المعلمة تصدق اي كذبة أو نكتة نلقيها على مسامعها وتضحك لها فنضحك نحن أيضاَ لها
>>

  --------------------------------------------------