ليالي نرويجية لنضال حمد الحلقة الثانية


( الحلقة الثانية )

من ليالي ألف ليلة وليلة في النرويج


بقلم : نضال حمد


صعقت إذ بعد تقديم طلب اللجوء والاستئناف جاءني رفض سريع ، وأعيد سبب الرفض بالأساس لاعتقاد المختصين في دائرة شؤون اللاجئين النرويجية بأن الفلسطينيين في لبنان لا يعانون من مشاكل عرقية وسياسية وأمنية.. مع أن المخيمات الفلسطينية في لبنان في تلك الفترة كانت تشهد ظروفاً أمنية لم تكن أفضل مما تشهده هذه الأيام. الفلسطينيون كانوا يعيشون مشاكل داخلية وموجة اغتيالات وتفجيرات شبه يومية، بالإضافة لمعاملة مهينة وغير محترمة من الدولة اللبنانية. أما النرويجيون فأعتقدوا أن المسألة السياسية والعملية التفاوضية (مدريد أوسلو ) تسير نحو تحقيق السلام ، لذا لم يعد هناك مشكلة.. لكن اتضح فيما بعد انه تفكير سطحي وساذج، لأن مقتل رابين اثبت استحالة تحقيق السلام. ثم جاءت الانتفاضة فقلبت كل شيء.. وكانت نتيجة حتمية لعمليات القهر والقمع والفقر والاذلال وتواصل الاحتلال وتوسع الاستيطان ، هذا بالرغم من سلام الشجعان..

كنت أعرف أن أسباب رفض طلبي سخيفة وليست السبب الحقيقي للرفض. أولاً لأن الفلسطينيين من أكثر شعوب العالم معاناة وتشردا، فحياتهم اختلطت فيها الحروب والسياسة والمعاناة والتشرد والكفاح والضياع والمنافي والمطاردات والملاحقات وجوازات السفر وبطاقات الهوية المزيفة والحقيقية المنوعة. كما أنهم لاجئون من قبل أن أطلب أنا وغيري اللجوء في هذه البلاد ، فقد ولدوا في مخيمات الشتات لاجئين بسبب الظلم الذي لحق بأهاليهم ، وشعبهم كله نتيجة تآمر العالم الغربي على الوطن الفلسطيني وسكانه الأصليين. كما ان النرويج قبلت قبلي مئات الفلسطينيين الذين حصلوا على حق الاقامة واللجوء.

خلال فترة الانتظار في مركز تجميع اللاجئين حصلت على غرفة صغيرة ، كنا في مخيم معد للاجئين في منطقة غير بعيدة عن أوسلو. هناك تعرفت على بعض اللاجئين من جنسيات أخرى، كانوا بغالبيتهم من يوغسلافيا سابقا ومن الصومال ودول افريقية أخرى، كذلك من عرب و أكراد العراق ، ومن الجمهوريات السوفيتية سابقاً. وجدت في البداية صعوبة كبيرة في التعايش مع بعضهم بسبب طريقة حياتهم، وبسبب فوضاوية بعضهم الآخر.. وفي كثير من الأحيان كنت أعتقد أنني وعقارب الساعة قد عدنا الى الوراء.. إذ أن بعض اللاجئين كانوا بدائيين ، أميين ، حديثي العهد بكثير من الاشياء. قد يبدو هذا الكلام شديد الوطء على مسامع البعض. لكنها حقيقة الأمر. كنا مضطرين للعيش معاً سواء أردنا أو لم نرد ذلك. فإذا أردنا مشاهدة مباراة كرة قدم توجب علينا محاورة الذين يريدون مشاهدة برامج موسيقية وغنائية حتى نتمكن من ذلك. فبرامج الموسيقى والغناء كانت المفضلة للصوماليين و أهل بقايا يوغسلافيا من البوسنيين ، الكراوت ، الصرب والمقدونيين وألبان كوسوفو. أما أنا بطبيعتي فلم أكن ارغب سماع تلك الموسيقى، وكنت أميل أكثر للبرامج العامة ، الأفلام الوثائقية، عالم الطبيعة، الأفلام بشكل عام ، برامج الأخبار والحوار، بالاضافة لولعي بكرة القدم.

غرف النوم كانت تعطى اما لشخص واحد أو اثنان أو لعائلة كاملة ، من حسن حظي انني نلت غرفة لوحدي ، وكان جاري من جهة اليسار سوداني عربي ، ومن جهة اليمين كردي من لبنان ، قدم اللجوء على اساس انه من اكراد العراق. وكان يتجول دائماً باللباس التقليدي الكردي. و هو رجل فاضل وصديق أمين. ملّ الانتظار و قرر فجأة أن يعود الى المانيا حيث لم يعد يرغب البقاء في النرويج. قبل أن يمضي طلب مني أن أقوم بتسليم غرفته ومحتوياتها كاملة الى ادارة المعسكر. إذ جرت العادة أن نتقاسم محتويات غرفة من يتم تسفيره أو يسافر لوحده أو يخرج من المعسكر ليعيش على نفقته وبعيداً عن اعين الشرطة والحكومة. سافر الأخ الكردي بعد أن ترك في غرفتي مبلغ من المال لمساعدتي على مواصلة الحياة وايجاد ثمن السجائر ، فقد كان يعرف أنني اعيش ظروفا مادية صعبة جداً ... مضى هو وبقينا نحن ننتظر دورنا.

وجبات الطعام كانت في ساعات محددة ، فالإفطار من الساعة السابعة حتى الثامنة والنصف ، و"اللنش" هذا كان شيئاً جديدا علينا، لم نعرفه أو نعتده في بلادنا، وجبة الظهر الساعة الثانية عشر ظهرا ، يتناولها النرويجيون ما بين وجبة الافطار ووجبة الغذاء . تعرفنا عليها في النرويج، حيث تعلمنا من النرويجيين أن نتناول وجبة اللانش ما بين الساعة الحادية عشرة والواحدة ظهراً. يتكون اللانش النرويجي عادة من بعض قطع الخبز والزبدة والمربى والأجبان والألبان أو شرائح من اللحم المجفف أو السمك المدخن، وفي بعض الأحيان "بولسه" نقانق. إضافة لكوب من الحليب أو بعض الشاي والقهوة أما العصير أو البيرة. في حين أن الغذاء الأساسي كان حوالي الساعة السادسة مساءً.

لم أعتد على تناول وجبة الإفطار ، لأنني كنت أسهر ليلاً ثم أنام حتى موعد اللنش... كنت أقضي الليل سهرانا لوحدي أو مع بعض المعارف من اللاجئين الذين حضروا لاحقاً. بين الافطار واللانش جرت العادة ان نقضي الوقت مع القهوة والسجائر. (تركت السجائر مرة واحدة سنة 1996).

كنا قلة بالمقارنة مع الألبان واليوغسلاف والأفارقة.. و كانت مشكلة الأسماء مشكلة معقدة لأنه وجد بين اللاجئين من هم بأسماء غير حقيقة أو مستعارة أو حتى وهمية،وذلك من أجل الحصول على اللجوء إما خوفا من تدخلات المخابرات الأجنبية وخاصة جهاز الموساد الإسرائيلي وغيره في عملية التحقيق مع اللاجئين. أو لأن اللاجئ كان قدم اللجوء في دولة اوروبية أخرى وتم رفض طلبه هناك ، أو لاسباب أخرى.. طبعا كانت الأسباب متعددة فيما الهدف واحد،الحصول على حق الإقامة في النرويج.
 

 حصل أن التقيت اثناء تلك الفترة بشخصين كنت اعرفهما من قبل و علمت أنهما يتواجدان هنا بإسمين مختلفين. مما سبب لي مشكلة في التعاطي معهما ، إذ كنت احيانا اناديهما بالاسمين الحقيقين. كما كان هناك بعض العرب من لبنان وسوريا ومصر وبعض المغاربيين من الجزائر والمغرب وتونس ، قدموا اللجوء على اساس انهم من الفلسطينيين. ومنهم من كان يصرّ على ذلك اثناء احاديثنا الجانبية مما كان يجعلنا نضحك حتى نستلقي على مؤخراتنا.

في تلك الفترة لم يواجه الصومالي واليوغسلافي والعراقي والكردي أية مشاكل في الحصول على الإقامة وحق اللجوء بعد فترة انتظار بسيطة. لكن العكس كان يحصل مع الجنسيات الأخرى وخاصة الفلسطينيين.لا زلت أذكر بعض الفلسطينيين الذين قامت السلطات بتسفيرهم إلى لبنان وسوريا. ففي صباح يوم ربيعي جميل نهضت من النوم على غير عادتي مبكراً حداً ، كانت الطيور تشدو والعصافير تزقزق وغالبية أهل المخيم في نوم عميق. شاهدت الشرطة وهي تقتاد أحد اللاجئين لتسفيره ..
قال لي : انتهى كل شيء يا صديقي ..
قلت له : الله اعلم انتم السابقون ونحن اللاحقون..
لقد كانت تهون مصيبتي عندما أرى مصائب غيري كما يقول المثل العربي.



يتبع الحلقة الثالثة
 


روابط الحلقات السابقة من ليالي نرويجية لنضال حمد

  --------------------------------------------------

ليالي نرويجية
 نضال حمد
الحلقة الأولى


قبل سنوات طويلة لم أفكر قط أنني سأعيش في هذا البلد البعيد والنائي ، لم تكن النرويج بالنسبة لي أكثر من ضيعة صغيرة تغطيها الثلوج وتعيش على الثروة السمكية وخاصة سمك السلمون، المعروف هنا في النرويج بسمك لاكس... لم تكن النرويج ذات شهرة قبل اكتشاف النفط والغاز في بحرها الذهبي.. ثم زادت شهرتها بعدما أصبحت عاصمة السلام المرفوض من المعنيين به.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد

( الحلقة الثانية )

صعقت إذ بعد تقديم طلب اللجوء والاستئناف جاءني رفض سريع ، وأعيد سبب الرفض بالأساس لاعتقاد المختصين في دائرة شؤون اللاجئين النرويجية بأن الفلسطينيين في لبنان لا يعانون من مشاكل عرقية وسياسية وأمنية.. مع أن المخيمات الفلسطينية في لبنان في تلك الفترة كانت تشهد ظروفاً أمنية لم تكن أفضل مما تشهده هذه الأيام. الفلسطينيون كانوا يعيشون مشاكل داخلية وموجة اغتيالات وتفجيرات شبه يومية، بالإضافة لمعاملة مهينة وغير محترمة من الدولة اللبنانية. أما النرويجيون فأعتقدوا أن المسألة السياسية والعملية التفاوضية (مدريد أوسلو ) تسير نحو تحقيق السلام ، لذا لم يعد هناك مشكلة.. لكن اتضح فيما بعد انه تفكير سطحي وساذج، لأن مقتل رابين اثبت استحالة تحقيق السلام. ثم جاءت الانتفاضة فقلبت كل شيء.. وكانت نتيجة حتمية لعمليات القهر والقمع والفقر والاذلال وتواصل الاحتلال وتوسع الاستيطان ، هذا بالرغم من سلام الشجعان.
>>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقة الثالثة

قبل موعد الانتقال الى معسكر جديد في قلب العاصمة أوسلو وصلت دفعة جديدة من اللاجئين ،غالبيتهم من يوغسلافيا السابقة والصومال ، كان معظم زملائي يحضرون أنفسهم لمغادرة المخيم باتجاه شمال أو غرب النرويج ، حيث تم نقلهم الى مخيم آخر. أما آخر المغادرين منهم كان الأخ محمد المغربي، الذي تعلم فن الحلاقة وقص الشعر برؤوسنا ..
>>>

 

  --------------------------------------------------

الي نرويجية

الحلقة الرابعة

بقلم نضال حمد


معسكرنا الجديد أو مخيمنا الثاني في النرويج كان في منطقة بيستوم بالضاحية الغربية لمدينة أوسلو ، ولم يكن يبعد عن مطار أوسلو سوى مسافة عشر دقائق بالسيارة. كما أنه قريب من بلدة ساندفيكا ومن معسكرنا الأول في منطقة تانوم. لكنه في العاصمة. قسم المعسكر الى ست مباني خشبية ، كل مبنى كان يتألف من طبقتين. وعلى كل طابق نحو عشرة غرف، تسع منها لغير المتزوجين وغرفة واحدة للعائلات مع الأطفال. في كل غرفة يسكن شخص واحد، وقبل أن يستلم غرفته يقوم بدفع منبلغ مائة كراونة كتأمين على مفتاح الغرفة، في حال ضياع أو فقدان المفتاح لا يمكنه استرداد المبلغ المذكور. لم يكن في الغرفة الصغيرة سوى سرير ، خزانة، كرسي ومكتب صغير، ومرآة معلقة على الجدار. ولهذه المرآة قصة طريفة سوف اعود لها لاحقاً . نافذة غرفتي كانت تطل على حديقة مجاورة، بعكس الآخرين الذي كانت نوافذهم تطل على ساحة المعسكر وعلى خط السكك الحديد الذي كان بالقرب منه. أما المطبخ فقد كان مشتركاً كما الحمامات. باستثناء الفصل بين حمامات الإناث والذكور. وكذلك فان الصالون الذي وضعت فيه كنبات وكراسي وطالات وكذلك جهاز تلفزيون كان مشتركاً بين الجميع. في المطبخ ثلاث أو أربع أفران غاز لخدمة وحاجات الجميع. أما كل لاجئ فكان لديه ثلاجة صغيرة وخزانة في المطبخ. في المعسكر يوجد أيضاً مبنى ضم مكاتب الادارة والمستودعات.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالخامسة

في مخيم بيستوم للاجئين والمهاجرين الأجانب في العاصمة أوسلو قضيت نحو 20 شهرا من حياتي. كانت تلك الأشهر بمثابة تجربة حياتية فريدة من نوعها وجديرة بالاهتمام. لأنه كان من الصعب على الإنسان العيش تحت سقف واحد، مع بشر من جنسيات مختلفة ومتعددة ، في مساحة لا تزيد على 200 متر مربع، بحمام ومطبخ وصالون مشترك وتلفاز أيضا مشترك. كيف توفق بين من يريد مشاهدة حفل موسيقي وأخر يريد مباراة كرة قدم وثالث يحبذ المحطات الموسيقية مثل أل أم تي في وغيرها.؟ أو عن رابع يريد مشاهدة المسلسلات والأفلام ، و خامس لا يريد سوى خراب جهاز التلفزيون وتوقفه عن البث.. مع أنه كان من أهم وسائل الترفيه علينا في غربتنا.>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالسادسة
بعد مرور عدة أشهر على سكني في مخيم بيستوم ، أصبحت علاقتي بالادارة والعاملين هناك جيدة. وتعرفت عليهم أكثر من خلال الحياة اليومية. في تلك الفترة عرفت ايضاً بعض العادات والأعياد النرويجية وتعلمت قليلاً من اللغة. وكانت معلمتنا امرأة ايرانية متزوجة من رجل نرويجي، لم أعد أذكر اسمها بالفارسية لكن أعتقد أنه بالعربية يعني " ملاك ". وكانت المعلمة تصدق اي كذبة أو نكتة نلقيها على مسامعها وتضحك لها فنضحك نحن أيضاَ لها
>>

  --------------------------------------------------