ليالي نرويجية
 نضال حمد
الحلقة الأولى


قبل سنوات طويلة لم أفكر قط أنني سأعيش في هذا البلد البعيد والنائي ، لم تكن النرويج بالنسبة لي أكثر من ضيعة صغيرة تغطيها الثلوج وتعيش على الثروة السمكية وخاصة سمك السلمون، المعروف هنا في النرويج بسمك لاكس... لم تكن النرويج ذات شهرة قبل اكتشاف النفط والغاز في بحرها الذهبي.. ثم زادت شهرتها بعدما أصبحت عاصمة السلام المرفوض من المعنيين به.

كنت في مدارس المخيم التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قد درست كما أقراني من التلاميذ والطلبة القليل عن النرويج،فعرفت أنها تقع في شمال القارة الأوروبية في اسكندنافيا، وتحدها كل من السويد وروسيا وفنلندا وشبه الجزيرة الاسكندنافية كما أنها تطل على بحري الشمال وبرين والمحيط المتجمد الشمالي. وتبلغ مساحتها 220324 كلم، وهي مملكة دستورية، اللغة الرسمية فيها النرويجية، والأديان اللوثريون المبشرون دين الدولة 86%، الكاثوليك والبروتستانت 3%، وآخرين تبلغ نسبتهم 11%. ويوجد من ضمن هذه النسبة الأخيرة مسلمون.

كنت قبل أن حطت بي اقداري في هذه البلاد بعد عدة رحلات وسفرات أعرف أن عاصمتها الحالية أوسلو, بينما لم أكن أعرف من قبل بأنها ليست العاصمة الأولى لأنها على ما اعتقد الثالثة والأخيرة، ففي السابق كانت كل من تروندهايم وبرغين عاصمتين للمملكة النرويجية. كما أنني كنت تعرفت على النرويج أكثر من خلال معرفتي بممرضة نرويجية كانت مع المتطوعين النرويجيين الذين جاءوا إلى لبنان لمساعدة الفلسطينيين والتضامن معهم خلال الحروب الدموية، التي كادت تصفيهم وتصفي قضيتهم الوطنية.وكان صديقي جهاد سهل الله أمره، هو من تعرف عليها في مستشفى عكا بمخيم شاتيلا ، وأحضرها إلى مقر إقامتي السري خوفا من اعتقالي وأصدقائي الذين كانوا يعيشون في نفس الغرفة، حيث كانوا يساعدونني في محنتي. يمكن القول أن لقاءنا كان في الوقت الضائع ، لأنها جاءت إلى مخيمي صبرا وشاتيلا بعد المجزرة بأسابيع قليلة، وكنت أنا مصابا وأنتظر السفر إلى الخارج للعلاج في إحدى الدول الأوروبية. وكانت مشكلتي أنني فلسطيني وبلا جواز سفر،فجواز سفري كان بحوزة زميل لي أخذه من جيبي يوم إصابتي. بعد تلك الحادثة لم يرجع الجواز ولم ألتق الزميل لأنه كان نزيل السجن لدى الأمن في إحدى الدول العربية الشقيقة.

المهم هذه الممرضة النرويجية والتي كانت تسمي نفسها أو كانوا يسمونها ريما ، وعرفت فيما بعد أن اسمها الحقيقي هو رانغهيلد،وأنها بعد عودتها إلى بلادها كانت أصبحت متمرسة بتجربة جيدة من تجارب الحرب اللبنانية،خاصة أنها شهدت حصار طرابلس الشهير والذي كان من بطولة بعض الفلسطينيين وبضيوف شرف عرب أيضا. المهم أن صديقتنا النرويجية عادت إلى بلدها وأصبحت فيما بعد رئيسة لجنة التضامن النرويجية مع الشعب الفلسطيني،في تلك الفترة بقيت بيننا مراسلات متقطعة،إلى أن حملني قدري إلىالنرويج قبل عشرة أعوام مضت. في منطقة نائية وجميلة وهادئة بالقرب من أوسلو، تسمى ساندفيكا حيث نزلت بداية ضيفاً على صديقي أبو سهيل والذي كان يومها لازال أبو ليلى نسبة لأبنته الوحيدة في تلك الفترة،أما الآن فقد رزق بسهيل وثلاثة أخوة أيضا حفظهم الله له وبارك فيهم. هناك بحثت وصديقي عن تلك الصديقة لأخبرها بأنني وصلت بلادها لاجئاً كما كنت ولازلت.. جئت أطلب اللجوء في بلادها التي أصبحت الملاذ الأخير خاصة أنها من أواخر الدول التي لازالت تمنح حق اللجوء الإنساني للفلسطينيين.

بحثنا طويلا في دليل الهاتف فوجدنا ثلاثة أو أربعة أسماء متشابهة بالاسمين الأول والثاني أي العائلي. قلت لصديقي لنجرب حظنا ونضرب أول الأسماء لعله أسمها،وحين تكلمها عليك تذكيرها بي ثم تقص عليها بسرعة وباختصار حكاية لقاءنا قبل عشر سنوات مضت في مخيم شاتيلا،وأنني أريد أن التقي بها. كم كنت محظوظا إذ أنها كانت هي فعلا صاحبة الرقم الذي بدأنا الاتصال به،فجاء صوتها سعيدا وفرحا بسماع صوت صديقي الذي حدثها عني ثم أعطاني سماعة الهاتف لأسلم عليها بنفسي. واتفقنا على لقاء في منزل صديقي فجاءت لزيارتنا،حيث وجدتها كما هي مع تغييرات وتبدلات قليلة،عكسي أنا الذي كنت تبدلت وتغيرت ولم أعد فتىً في مقتبل العمر كما كنت على سرير الموت. لفت انتباهي أنها جاءت تحمل بيدها سلة مليئة بالفاكهة من أنواع وأصناف مختلفة،سألتها لما هذا الكرم كله، أجابت لكي تعيد ذكرياتها مع المخيم وناسه الطيبين والبسطاء والكرماء، ولكي تستعيد تلك الأيام الجميلة التي كانت زينتها عائلة العم أبو إسماعيل بكرمهم وشهامتهم وحسن أخلاقهم وضيافتهم. فقد كانت ريما تلقى معاملة أهل البيت هي ورفاقها وزملائها من الأطباء والممرضين والممرضات الذين كانوا يساعدون شعبنا في حصاره ويحاولون تضميد جراحه. كان يوم لقاءنا جميلا ومؤثرا.

فسألتها عما إذا كانت لازالت تذكر الميرامية والزعتر, فردت بالإيجاب...
عند الميرمية انتهت الزيارة الأولى وأنفض اللقاء الأول وغادرتنا عائدة إلى عملها في مستشفى الطوارئ في أوسلو. ثم عدنا والتقينا بعدها مرة أخرى في دار ابو سهيل،حيث زارتنا وأحضرت لنا شتائل من الزعتر والميرامية والنعناع. وأما اللقاء الثالث والأخير كان في سنة 1996 على هامش الاحتفال بيوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، حيث كان من ضيوف الحفل الدكتور حيدر عبد الشافي (توفي)، الروائي عزت الغزاوي (توفي )، المحامي سهيل الناطور، الأخت آمنة جبريل وآخرين لم اعد اذكر أسماءهم. فيما بعد علمت أنها سافرت مع زوجها الأمريكي الأصل لتعيش في أقصى شمال النرويج بعيدا عن المدن وتعقيدات الآلات والبشر من المتشبهين بالآلات المسيرة بالريمونت كنترول.

كنت بالطبع عند وصولي إلى النرويج قدمت طلباً للجوء ورفض فورا،لكن أسباب الرفض كانت سخيفة وغير مقنعة. المهم استأنفت الطلب عبر محامي نرويجي أحضروه لي هم أنفسهم وقاموا بدفع كافة التكاليف بناء على قوانين البلد المعروفة. ولم أكن ادري بان هذا الاستئناف سوف يأخذ من عمري ووقتي حوالي السنتين. في ذاك الوقت عشت في مكان لتجميع اللاجئين شبيه بالمعسكر ، إذا أن نصفه فندق ونصفه الآخر معسكر. كما انه يشبه أيضا المخيم الصغير ، لكن الفرق بينه وبين المخيم في لبنان أننا هنا خليط من كل الجنسيات ... كان يتوجب على المرء أن يعيش مع أصناف وأنواع من البشر من كافة الثقافات والعادات والتقاليد واللغات... و هذا ما سنتحدث عنه في الليلة القادمة من ليالي ألف ليلة وليلة في النرويج .

يتبع ..
 
الحلقة الثانية
 
 


روابط الحلقات السابقة من ليالي نرويجية لنضال حمد

  --------------------------------------------------

ليالي نرويجية
 نضال حمد
الحلقة الأولى


قبل سنوات طويلة لم أفكر قط أنني سأعيش في هذا البلد البعيد والنائي ، لم تكن النرويج بالنسبة لي أكثر من ضيعة صغيرة تغطيها الثلوج وتعيش على الثروة السمكية وخاصة سمك السلمون، المعروف هنا في النرويج بسمك لاكس... لم تكن النرويج ذات شهرة قبل اكتشاف النفط والغاز في بحرها الذهبي.. ثم زادت شهرتها بعدما أصبحت عاصمة السلام المرفوض من المعنيين به.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد

( الحلقة الثانية )

صعقت إذ بعد تقديم طلب اللجوء والاستئناف جاءني رفض سريع ، وأعيد سبب الرفض بالأساس لاعتقاد المختصين في دائرة شؤون اللاجئين النرويجية بأن الفلسطينيين في لبنان لا يعانون من مشاكل عرقية وسياسية وأمنية.. مع أن المخيمات الفلسطينية في لبنان في تلك الفترة كانت تشهد ظروفاً أمنية لم تكن أفضل مما تشهده هذه الأيام. الفلسطينيون كانوا يعيشون مشاكل داخلية وموجة اغتيالات وتفجيرات شبه يومية، بالإضافة لمعاملة مهينة وغير محترمة من الدولة اللبنانية. أما النرويجيون فأعتقدوا أن المسألة السياسية والعملية التفاوضية (مدريد أوسلو ) تسير نحو تحقيق السلام ، لذا لم يعد هناك مشكلة.. لكن اتضح فيما بعد انه تفكير سطحي وساذج، لأن مقتل رابين اثبت استحالة تحقيق السلام. ثم جاءت الانتفاضة فقلبت كل شيء.. وكانت نتيجة حتمية لعمليات القهر والقمع والفقر والاذلال وتواصل الاحتلال وتوسع الاستيطان ، هذا بالرغم من سلام الشجعان.
>>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقة الثالثة

قبل موعد الانتقال الى معسكر جديد في قلب العاصمة أوسلو وصلت دفعة جديدة من اللاجئين ،غالبيتهم من يوغسلافيا السابقة والصومال ، كان معظم زملائي يحضرون أنفسهم لمغادرة المخيم باتجاه شمال أو غرب النرويج ، حيث تم نقلهم الى مخيم آخر. أما آخر المغادرين منهم كان الأخ محمد المغربي، الذي تعلم فن الحلاقة وقص الشعر برؤوسنا ..
>>>

 

  --------------------------------------------------

الي نرويجية

الحلقة الرابعة

بقلم نضال حمد


معسكرنا الجديد أو مخيمنا الثاني في النرويج كان في منطقة بيستوم بالضاحية الغربية لمدينة أوسلو ، ولم يكن يبعد عن مطار أوسلو سوى مسافة عشر دقائق بالسيارة. كما أنه قريب من بلدة ساندفيكا ومن معسكرنا الأول في منطقة تانوم. لكنه في العاصمة. قسم المعسكر الى ست مباني خشبية ، كل مبنى كان يتألف من طبقتين. وعلى كل طابق نحو عشرة غرف، تسع منها لغير المتزوجين وغرفة واحدة للعائلات مع الأطفال. في كل غرفة يسكن شخص واحد، وقبل أن يستلم غرفته يقوم بدفع منبلغ مائة كراونة كتأمين على مفتاح الغرفة، في حال ضياع أو فقدان المفتاح لا يمكنه استرداد المبلغ المذكور. لم يكن في الغرفة الصغيرة سوى سرير ، خزانة، كرسي ومكتب صغير، ومرآة معلقة على الجدار. ولهذه المرآة قصة طريفة سوف اعود لها لاحقاً . نافذة غرفتي كانت تطل على حديقة مجاورة، بعكس الآخرين الذي كانت نوافذهم تطل على ساحة المعسكر وعلى خط السكك الحديد الذي كان بالقرب منه. أما المطبخ فقد كان مشتركاً كما الحمامات. باستثناء الفصل بين حمامات الإناث والذكور. وكذلك فان الصالون الذي وضعت فيه كنبات وكراسي وطالات وكذلك جهاز تلفزيون كان مشتركاً بين الجميع. في المطبخ ثلاث أو أربع أفران غاز لخدمة وحاجات الجميع. أما كل لاجئ فكان لديه ثلاجة صغيرة وخزانة في المطبخ. في المعسكر يوجد أيضاً مبنى ضم مكاتب الادارة والمستودعات.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالخامسة

في مخيم بيستوم للاجئين والمهاجرين الأجانب في العاصمة أوسلو قضيت نحو 20 شهرا من حياتي. كانت تلك الأشهر بمثابة تجربة حياتية فريدة من نوعها وجديرة بالاهتمام. لأنه كان من الصعب على الإنسان العيش تحت سقف واحد، مع بشر من جنسيات مختلفة ومتعددة ، في مساحة لا تزيد على 200 متر مربع، بحمام ومطبخ وصالون مشترك وتلفاز أيضا مشترك. كيف توفق بين من يريد مشاهدة حفل موسيقي وأخر يريد مباراة كرة قدم وثالث يحبذ المحطات الموسيقية مثل أل أم تي في وغيرها.؟ أو عن رابع يريد مشاهدة المسلسلات والأفلام ، و خامس لا يريد سوى خراب جهاز التلفزيون وتوقفه عن البث.. مع أنه كان من أهم وسائل الترفيه علينا في غربتنا.>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالسادسة
بعد مرور عدة أشهر على سكني في مخيم بيستوم ، أصبحت علاقتي بالادارة والعاملين هناك جيدة. وتعرفت عليهم أكثر من خلال الحياة اليومية. في تلك الفترة عرفت ايضاً بعض العادات والأعياد النرويجية وتعلمت قليلاً من اللغة. وكانت معلمتنا امرأة ايرانية متزوجة من رجل نرويجي، لم أعد أذكر اسمها بالفارسية لكن أعتقد أنه بالعربية يعني " ملاك ". وكانت المعلمة تصدق اي كذبة أو نكتة نلقيها على مسامعها وتضحك لها فنضحك نحن أيضاَ لها
>>

  --------------------------------------------------