مؤتمر فتح في الضفة يعني تكريس ذوبانها في السلطة

 

 نضال حمد

 

16-05-2009

 

لم أستغرب قرار أبو مازن، رئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وقائد حركة فتح تحديد موعد ومكان عقد المؤتمر في الضفة الغربية المحتلة بتاريخ الأول من تموز/ يوليو المقبل. فللرجل نهجه السياسي الذي بات منذ زمن طويل واضحاً ومعروفاً للجميع، إلا للذين لا يفقهون ألف باء العمل السياسي والتنظيمي وكذلك للذين لا يريدون معرفة ذلك. كما أن تفرد أبو مازن بالقيادة لم يكن منذ خلافته للزعيم الفتحاوي الأقوى الراحل ياسر عرفات موضوع نقاش حتى في أطر فتح والمنظمة والسلطة. أذكر أنني سألت في خريف العام الفائت أحد أعضاء اللجنة التنفيذية من فصائل اليسار الفلسطيني حول إن كان أبو مازن يستشيرهم في اللجنة التنفيذية قبل أو حين يتحاور ويتفق مع الصهاينة، فكان جواب عضو اللجنة التنفيذية لا كبيرة.. قلت له على اثرها إذن أنتم شهاد زور ..

 

غالبية الفتحاويين تعاملت مع أمر اختيار عباس لخلافة عرفات على طريقة مات الملك عاش الملك. والحقيقة أن الرجل كان شريكاً فعلياً ورئيسياً واساسياً مع الراحل ابو عمار في مغامرة اوسلو الكارثية. ولا يمكن اعتبار الخلافات التي برزت لفترة بينه وبين الزعيم الراحل عرفات سوى خلافات على الصلاحيات ومراكز القوة والمال والقرار داخل السلطة. عدا عن ذلك فقد اتفق الرجلان على أوسلو بحلوها ومرها. وبعد رحيل عرفات كان دور اللجنة المركزية لفتح في اختيار ابو مازن حاسماً. اختارته عن قصد وسابق معرفة بما اختارت. فهو صاحب اوسلو الواثق من نفسه بينما هي لجنة ممزقة ومهمشة ومهشمة وخلافات أعضائها فيما بينهم كبيرة ، كما أخذت تكبر وتزداد وتتسع منذ رحيل القائد الرمز والأب الأوحد لفتح. الذي رحل تاركاً خلفه بحر كبير من الصراعات والخلافات بين قيادات الحركة. قيادات الداخل مختلفة فيما بينها وقيادات الخارج كذلك فيما بينها ومع قيادات الداخل التي استطاعت مزاحمتها أو ازاحتها من المواقع القيادية الهامة. إذ جرى تعيين أبو العلاء- أحمد قريع- مفوضاً عاماً للتعبئة والتنظيم مع أن أبو ماهر غنيم القائد التاريخي في فتح مازال حياً يرزق وهو المفوض العام للتعبئة والتنظيم في فتح ومقره تونس.أصبح لدى فتح مفوض عام في الداخل وآخر في الخارج. كما جرى تهميش دور القائد التاريخي الفتحاوي وأمين سر اللجنة المركزية لفتح ورئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية السيد فاروق القدومي. وشكلت وزارة شؤون خارجية في السلطة استطاعت ازاحة دور الدائرة السياسية. وفرض حصار مالي واعلامي على القدومي ودائرته، كما اتهمته اصوات فتحاوية سلطوية بالعمالة لايران وسوريا وحزب الله وحماس. ونذكر في هذا الخصوص تصريح لأبي مازن رئيس السلطة الفلسطينية وقائد فتح ورئيس المنظمة يقول فيه عن القدومي أنه كتكوت ايران.. فعلاً شر البلية ما يضحك.. من يتهم من بالعمالة والكتكتة؟؟ كما هناك مئات التصريحات تصب في نفس الاتجاه اطلقها قادة وكوادر فتحاويين بعدما اصبحوا جزءاً من عملية اوسلو واخواتها ومن الفساد والانهيار الذي تشهده فتح. لكن هذا لا يعني أن فتح خالية من الشرفاء والمناضلين الرافضين لحالة التشرذم والتفكك والأنهيار داخل الحركة. فهناك اصوات فتحاوية شرفية ومحترمة عديدة حاولت وتحاول تصويب مسار فتح. لكن مع احترامنا لهؤلاء الشرفاء فأن فتح لم تعد فتح الينابيع، ولا فتح الطلقة الأولى، ولا فتح فدائيي العاصفة، ولا فتح أول الحجارة، ولا فتح مصنع الشهداء والتضحيات، بل أصبحت فتح التي تخلت عن الميثاق الوطني الفلسطيني ، ثم عن قرارات الشرعية الفلسطينية التي اتخذتها المجالس الوطنية الفلسطينية في دوراتها المتعاقبة، وصارت فتح التي تقود عملية السلام المدمرة والهدامة، عملية اوسلو التي قضت على الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وعلى الهوية الوطنية الفلسطينية المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية الكيان الوطني والمعنوي للشعب الفلسطيني. وقضت كذلك على ما سمي بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل، الذي دفع شعب فلسطين ثمنه دماء غالية ومخيمات كاملة تم تدميرها في الحروب مع الاخوة الأعداء. إذا استطعنا فهم هذه القضايا وعرفنا سر وصول فتح الى هذا المستنقع الخطر سوف يبطل العجب، وسوف نستطيع فهم السياسة العباسية في فتح والمنظمة والسلطة. لأنها سياسة تمثل نهجا معيناً له جذوره التاريخية، وليست سياسة شخص واحد فقط لا غير. هذا النهج له امتدادات في الفصائل وشبه الفصائل الأخرى المنضوية تحت رايته.وهو للأسف نفس النهج الذي يسطو على القرار ويتحكم بالقيادة والمؤسسات الشرعية في فلسطين.

 

 فتح التنظيم الفلسطيني العريق الذي قاد مرحلة مهمة من النضال الوطني الفلسطيني لم يكن في يوم من الأيام حزباً يعمل بشكل ديمقراطي أو بالشورى. لذا فامكانية أن يستطيع رئيس السلطة تأمين عدة مئات أو آلاف من المحسوبين عليه وعلى جماعته في فتح السلطة، كأعضاء لمؤتمر الحركة القادم والذي تأخر لأكثر من عشرين عاماً ليست بالأمر العسير. فكثيرين من هؤلاء الفتحاويين سواء في الداخل أو في الخارج ارتبطوا مادياً بالسلطة، التي استولت واستأثرت بأموال وممتلكات المنظمة. واصبح هؤلاء تابعون لرأس المال السلطوي أو الفتحاوي، ويعملون وفق المثل الذي يقول " ألي بيدفع بيركب".. مع احترامنا للجميع لم يعد لديهم مهمة وطنية أو نضالية، همهم الكسب والتسلق والاستفادة. بهكذا أكثرية قد يعقد في الضفة الغربية مؤتمر "عالماشي" لحركة فتح. قد يمنع من حضوره الكثيرين من ابناء فتح في الخارج، إذ لا نصدق أن الاحتلال سوف يسمح لهؤلاء بالدخول الى فلسطين أو أن رئيس السلطة الفلسطينية سوف يستطيع تأمين دخلوهم وكذلك حمايتهم. فهو نفسه بحاجة لتصريح دخول وخروج وتنسيق مع الاحتلال حتى يتمكن من الحركة داخل الضفة الغربية المحتلة ومنها واليها. كما أن هناك قسماً من أعضاء مؤتمر فتح قادة وكوادر يرفضون انعقاده تحت رحمة وتأثير وضغط الاحتلال. لأنه سوف يكون أشبه بمؤتمر للأمن الوقائي المنتهي الصلاحية والوجود.لكن هؤلاء قلّة..

 

باعلانه المذكور تجاوز ابو مازن اللجنتين المركزية والتحضيرية وتفرد باتخاذ القرار غير آبه باربع سنوات من العمل داخل أطر فتح القيادية الأولى وفي اللجنة التحضيرية للمؤتمر. وصار كمن يصب الزيت على نار مستعرة داخل الحركة. والخوف ليس فقط على فتح بل على المنظمة والحركة الوطنية الفلسطينية التي قادتها فتح نحو 40 عاماً. فعقد المؤتمر في بيت لحم أو أريحا تحت حراب الاحتلال سوف لن يعدو عن كونه مهرجانا يؤكد ويكرس هيمنة عباس ونهج المال السياسي على فتح والسلطة والمنظمة. ومما يزيد الطين بلّة أن فتح لغاية اليوم لم تتفق على زعيم يقودها بعد رحيل عرفات. فهي عبارة عن ساحات واقاليم وقوى عسكرية وأمنية و تجمعات ومراكز وقطاعات وجماعات وشخصيات وتكتلات كل منها يريد تعزيز دوره ومكانته في المؤتمر ليخرج بأقل الخسائر أو ليستفيد من التركيبة الجديدة حتى يحتفظ بمكانته، خاصة أن الجيل الجديد والشاب في الحركة سوف يتحرك بشكل تصاعدي نحو أعلى الهرم وطلباً للجلوس على القمة. وفي غمرة كل ما دار ويدور من نقاش وجدل حول المؤتمر المزعوم لم نسمع أية طروحات سياسية وتنظيمية، ولا مراجعة للعملية السياسية السلمية التي غامرت بخوضها فتح ومازال شعب فلسطين يحصد نتائجها المدمرة. كما هناك تجربة 40 سنة من النضال والعمل في مواقع وبلدان مختلفة ، فهل يا ترى سيقوم أحد ما بتقديم دراسة نقدية لتلك التجربة بحلوها ومرها؟ خاصة أن فتح لم تقم بنقد تجربتها منذ انطلاقتها.

 

إن في صلاح فتح صلاح للساحة الوطنية الفلسطينية كلها وتعزيز للعمل الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال ومن أجل اعادة بناء وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية وقومية تضمن حقوق الشعب الفلسطيني ، وتؤمن المشاركة الشعبية والفصائلية في كافة المؤسسات وفي مواقع القرار. إذا استطاعت فتح الخروج من أزمتها سيكون عندئد من السهل الخروج من أزمة المنظمة ومن مستنقع أوسلو واخواتها.

 

* مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org