angryarab.blogspot

د أسعد ابو خليل*

القمم العربيّة: صناعة اللاشيء

17/04/2010


ألقيتُ قبل أسبوع خطاب الافتتاح في اجتماع نموذج الجامعة العربيّة الذي يتنافس فيه طلاب وطالبات من جامعات أميركيّة في تمثيل صوري للدول العربيّة المنضوية في إطار الجامعة العربيّة. حرت في ما أقول لجمهرة من الطلاب يُطلب منهم لغرض الدراسة أخذ الجامعة على محمل الجدّ. قلت للطلاب إن مهمتهم ليست سهلة إطلاقاً. إن عليهم تقليد أدوار ومواقف من الصعب اعتناقها. كيف يمكنهم أن يمثّلوا زعماء وأنظمة تقطر الدماء من أيديهم وتنضح خطبهم بالنفاق؟ وكيف لهم أن يزعموا أنهم يمثّلون أنظمة تزعم كذباً أنها تصنع قراراتها بنفسها؟ لكن هناك من سأل عن طبيعة بقاء التسلّط العربي، وشرحت للتلاميذ أن حكومتهم الأميركيّة الصادحة بشعارات جوفاء عن الديموقراطيّة هي التي تمدّ (معظم) الأنظمة العربيّة بسبل البقاء ووسائل القمع. الجامعة العربيّة لا تؤخذ على محمل الجدّ إلا في الصفوف الجامعيّة الدراسيّة حيث يدرس التلاميّذ طرق عمل الجامعة.

تاريخ الجامعة العربيّة جزء من التاريخ الاستعماري للمنطقة العربيّة. لم تكن الجامعة يوماً بوتقة لوحدة الدول والشعوب. هي مثل خطة تحرير فلسطين التي أودعت المهمّة للملك المُتلقّي الرشى من الصهاينة. الخطة كانت تهدف لا إلى التحرير بل إلى تنفيس احتقان الشعوب وتحوير أنظارهم. أنشأ الاستعمار البريطاني الجامعة العربيّة من أجل: 1) تنفيس الاحتقان الوحدوي المختلج في صدور الشعب العربي آنذاك. 2) جمع الأنظمة الموالية للمشيئة الاستعماريّة في إطار واحد لتسهيل تنسيق الطاعة العربيّة

الرسميّة. 3) تنقية الخلافات بين أدوات الاستعمار في المنطقة والتقليل من المنافسة بينها على الطاعة. 4) تحقيق وعد بلفور بأقل خسائر سياسيّة ممكنة. الجامعة العربيّة واجهت امتحانها الأوّل في محنة فلسطين. سقطت مذّاك، ولم تنهض مذّاك. لكن الشعب العربي لم يفقد أمله في الجامعة العربيّة إلا بعد عقود أخرى من الخيبات والهزائم والوعود، وأشعار أمين الحافظ ونكاته.
نماذج القيادات والزعامات العربيّة كانت مضحكة منذ البداية. تتذكّر صور الوجوه للقادة وهم يتحلّقون حول طاولات للنظر في مسألة مواجهة الصهيونيّة على أرض فلسطين. تقرأ صحف تلك المرحلة. كانوا يتداورون التصريحات عن خطط سريّة لهم للحفاظ على فلسطين، وكانت الناس والصحف تهلّل لهم. لكن التاريخ وأرشيفه لا يرحم. تقرأ عنهم واحداً واحداً وتعلم أن بعضهم كان يسرّب للصهيونيّة المداولات السريّة عن خطط لا قيمة لها للأنظمة العربيّة. وتقرأ ما جاء في ما يُنشر من أرشيف عن تنسيق بين بعضهم بعضاً وبين الصهاينة. كان الصهاينة يتلقّون (كما جاء في كتاب آفي شلايم التعامل عبر الانقسام) تقارير عن مداولات عربيّة سريّة أولاً بأوّل.

تغيّر تاريخ الجامعة العربيّة بعد صعود جمال عبد الناصر. لكن عبد الناصر لم يستطع إحكام السيطرة على الجامعة العربيّة. صحيح أنه كان يُنصّب أمناء الجامعة، لكن الأنظمة في الخمسينيات والستينيات كانت منقسمة حول مشاريعه وطموحاته. لم يكن عبد الناصر يواجه حلف الأنظمة الرجعيّة فقط ـــــ هذا الحلف الذي كان يُشار إليه سخريةً بـأذناب الاستعمار وشتائم مشابهة أطلقها إعلام المرحلة المُسلّي (من لا يفضّل أحمد سعيد على طارق الحميد؟) بل إن عبد الناصر عانى أيضاً من مزايدات البعث. كم أتقن البعث فن المزايدة. كان البعثيّون يزايدون على عبد الناصر، ثم يزايدون بعضهم على بعض: البعث السوري ضد البعث العراقي والجناح المدني ضد الجناح العسكري، وهلم جرّا. وبدأ تقليد اجتماعات القمّة.

كانت القمّة الرسميّة الأولى لمواجهة مشروع إسرائيل في تحويل نهر الأردن. اجتمعوا ودانوا وذكّروا باجتماعات القادة قبل احتلال فلسطين. لا خطط جديّة ولا ثقة بين القادة، والمؤامرات في ما بينهم كانت أفعل بكثير من مؤامراتهم المزعومة ضد إسرائيل. لكن الجامعة العربيّة كانت فاشلة قبل أن تبدأ. لم تستطع، خلافاً لمنظمات إقليميّة أخرى، أن تعرّف سبب وجودها، ولا أحد يتفق على أبسط مهماتها. بالعكس: كانت مكاناً لتسعير الخلافات العربيّة وإفشال حلّها. المعسكران المتقابلان في الستينيات كانا يحاولان جرّ المزيد من الدول إلى قطبيهما.

لكن جمال عبد الناصر كان سيّد القمم العربيّة وخير من استخدمها لغايات دعائيّة وسياسيّة. ينسى البعض أن النظام الناصري، رغم الكاريزما المميّزة لزعيمه، أجاد استخدام الدعايّة السياسيّة كثيراً. تتذكّر وتقرأ عن دور صوت العرب (وهناك أطروحات كُتبت عن الموضوع)، وتتيقّن أن نظام عبد الناصر ـــــ لو كُتب له أن يبقى ويعمّر ـــــ كان سيتفوّق على الجميع في عصر الفضائيّات. كان النظام الناصري يستخدم القمم العربيّة كي يظهر الزعماء العرب في موقع دوني ووضيع مقارنة بعبد الناصر. كان عبد الناصر يظهر مظهر الأب الراعي، وكان الجميع يظهر مظهر الأولاد العقوقين الذين يحتاجون إلى حكمته للمسير والتلمّس. ثم إن عبد الناصر كان معتمداً على ما يفتقر إليه غيره من الزعماء: تأييد شعبي حقيقي وشرعيّة شعبيّة. لكن عبد الناصر أتقن أيضاً الخطاب المُسكّن والواعد. لهذا، فإن انطلاقة الثورة الفلسطينيّة، وخصوصاً بعد هزيمة 1967 الشنيعة أقلقت النظام المصري. وبعد قبوله بمبادرة روجرز، أقفل عبد الناصر إذاعة الثورة الفلسطينيّة من القاهرة. كان عبد الناصر لا يسمح بالمزايدة، وخصوصاً إذا أتته من اليسار (هذا يفسّر نقمته القويّة على البعث، لأن البعث أتقن الخطاب والتهديد الفارغ من دون إقرانه بأعمال، على طريقة نحن نختار مكان المعركة وزمانها). عبد الناصر فشل فشلاً ذريعاً في مواجهة إسرائيل، ولا يمكن إعفاؤه من المسؤوليّة، لكنه ـــــ للإنصاف ـــــ كان يعدّ العدّة لحرب أخرى مع إسرائيل، تلك الحرب التي بدأت بنصر في اليوميْن الأولّيْن عام 1973 قبل أن يصرّ السادات على تقديم هزيمته هديّة إلى الولايات المتحدة للتقرّب منها ومن إسرائيل وراءها.

مات عبد الناصر وفقدت اجتماعات القمم تألّقها في أعين الناس. من كان ينتظر خطاب الكتائبي المبكّر، شارل حلو، في القمم العربيّة؟ من كان يتابع هذيان العقيد القذّافي الثوري؟ من علّق آمالا على حزب البعث في أجنحته المتحاربة والمتنازعة؟ من صدّق وعد الملك فيصل بالصلاة في القدس، فيما كان تمنّيه تنبؤاً مبكّراً بزيارة على نسق زيارة السادات المشؤومة؟ مات عبد الناصر وفقدت القمم العربيّة قدرتها على جذب اهتمام الناس. ثم إن القمم حتى في عهد عبد الناصر لم تقرن البيان والخطاب السياسي بالعمل. تحدّثت قمّة الخرطوم الشهيرة بلاءاتها عن موقف حاسم ضد إسرائيل، فيما كانت الأنظمة العربيّة جمعاء، بما فيها النظام المصري، تعدّ العدة لتسوية أو صلح أو صفقة مع العدوّ. لكن حرب 1967 ألقت بظلال ثقيلة. رفع عبد الناصر العلم الأبيض مرّتين في ذلك العام: مرّة في صحراء سيناء (بسبب خذلان رفيقه المشير له) ومرّة أخرى في الاجتماع الأول للقادة العرب بعد الهزيمة. استسلم عبد الناصر أمام الملك فيصل وبدأ صعود الحقبة السعوديّة (أو الشخبوطيّة، بتسمية ياسين الحافظ).

وشهدت اجتماعات الجامعة عبر العقود حفلات من الشتائم بين البعث العراقي والبعث والسوري، وبين القذّافي وغيره، وبين عرفات والملك حسين. وصعد الملك السعودي: فيصل ثم فهد من بعده (لا تُحسب حقبة خالد المنصرف للورع ولتربية الصقور). المال، للمكافأة والعقاب، كان سيّد الموقف. الانقسام الحاد بين معسكر رجعي ومعسكر تقدّمي ما عاد صالحاً تحليليّاً. الانقسام البعثي والخلاف المصري ـــــ الليبي في عهد السادات صغّر المسافة بين معسكريْن لم ينقسما إلا بفعل القرار البياني ـــــ الخطابي. والتنافس كان على أشدّه لاستضافة القمم. السعوديّة كانت تحظى بحصّة الأسد، فيما كان العراق يحضّر نفسه لصعود صدّام حسين وطموحه الإقليمي المروّع (هؤلاء الذين يحتفلون بميلاد صدّام في بيروت وبذكرى تبوّئه السلطة، ألا يشعرون بأنهم يرقصون على قبور ضحايا صدّام، أم أنهم يعتبرون أن قصّة قمع صدّام ومجازره قصّة مختلقة من أساسها؟).

لكن السؤال البديهي هو: لماذا تستمرّ الجامعة العربيّة التي تتلقّى شحّ التمويل بشق النفس (ما خلا الترويج الباهظ الثمن لمبادرة الملك عبد الله ـــــ فريدمان للتطبيع الكامل مع إسرائيل عندما رصدت المملكة الوهّابيّة الملايين لعرض الاستسلام العربي المُهين أمام أعين القارئ الأبيض في الغرب في صحف غربيّة مقروءة وغير مقروءة). لماذا تستمرّ الجامعة العربيّة ولماذا يستمرّ أمينها العام في تهريجه وفي قهقهته المُجلجِلة فيما يُقتل الأطفال في غزة، وهو الذي لا يظهر وقوراً إلا عندما يرحّب بضيوفه السعوديّين أو عندما يستدعيه أبو جمال مبارك للقاء عاجل لإصدار تعليمات؟ ولماذا تستمرّ الجامعة العربيّة في الوجود في الوقت الذي دشّنت فيه الساداتيّة عصر القطريّة الأوحد؟ من يتحدّث اليوم عن الوحدة العربيّة أو عن عمل جدّي عربي ـــــ باستثناء وزراء الداخليّة العرب الذين يُشكرون لما يفعلون في تنسيقهم لوسائل تعذيب المواطنين في أكثر من بلد عربي؟ يُشكر وزراء الداخليّة العرب على جهودهم في مقارنة وسائل التعذيب والتنكيل من أجل نشرها في ربوع الوطن العربي. يُشكر الأمير نايف بن عبد العزيز لحرصه على كهربة الأعضاء التناسليّة للمعارض العربي بأحدث الوسائل الكهربائيّة. يهذي القذافي عن وحدة أفريقيّة، ولكنه لا يؤخذ على محمل الجدّ لا في العالم العربي ولا في أفريقيا. فقط في واشنطن ولندن يؤخذ الرجل على محمل الجد بسب استداراته المُلائمة للحقبة البوشيّة.

هناك أسباب عدة لاستمرار الجامعة العربيّة، وبعضها لا يتعلّق بالعرب أنفسهم. الجامعة موجودة لأسباب فولكلوريّة. ليست بأهميّة مهرجان الجنادريّة، ولكنها تمثّل اجتماعاً صورياً من أجل جمع القادة العرب في صور تذكاريّة مرّة في السنة. الذين يتقاتلون ويتآمرون ويحاولون اغتيال بعضهم بعضاً، يبتسمون أمام الكاميرا، ويظهر شبه كبير بينهم وبين اجتماع القادة العرب بالطرابيش في الأربعينيات. لماذا لا يعتمر عمرو موسى طربوشاً هو الآخر؟ والشبه يبدو أكثر في صور أمراء النفط وملوكه: هؤلاء هم الأبناء أو الأحفاد، لا غير. لكن الجمهوريّات العربيّة باتت تورّث هي الأخرى. ألم يجعل حسني مبارك مصر أداة وألعوبة بيد إسرائيل فقط لكسب تأييد الكونغرس الأميركي لتوريث المواطن جمال مبارك؟ الولايات المتحدة تريد المحافظة على الجامعة العربيّة لأنها تسبغ (بنظرها هي) شرعيّة ما على ما تريد من الزعماء العرب إصداره من قرارات. المثال الساطع هو في تلك القمة الهزليّة التي رتّبها حسني مبارك على عجل صيف 1990 بأمر من جورج بوش الأب لتحضير المنطقة لحرب وحشيّة على العراق (فاقتها وحشيّة الحرب التي تلتها في 2003). لا تريد الولايات المتحدة شرذمة أدواتها في المنطقة العربيّة وخصوصاً أن كل الدول العربيّة، ما عدا دولة أو دولتيْن، تطيع المشيئة الأميركيّة من دون سؤال أو جدال. لكن الولايات المتحدة تستعين أحياناً بجامعة عربيّة مصغّرة تضمّ الأدوات الخلّص والحلفاء الأكثر طاعة (الأردن، السعوديّة، الإمارات العربيّة المتحدة، المغرب، مصر، الكويت والبحرين) حين تريد أن تنسّق خططاً ذات طبيعة عسكريّة أو أمنيّة.

ولماذا تتخلّى الولايات المتحدة (وإسرائيل إلى جانبها) عن الجامعة العربيّة وهي تعمد إلى إخماد نار الغضب المُستعرة في أوساط الرأي العام العربي على جرائم إسرائيل المستمرّة؟ أي إن للجامعة دوراً في تنفيس الاحتقان العام. ألا تختتم أعمال القمم العربيّة بمؤتمر صحافي مُتلفز لعمرو موسى يعمد فيه إلى تعداد الأسباب التي تمنع العرب من اتخاذ موقف حازم وجازم من حروب أميركا وإسرائيل؟ أي إن المهمّة باتت دعائيّة في صف راعي الحروب الأميركي.

لكن القادة العرب لا يزالون يجتمعون ويتقاطرون بهمّة ثقيلة في مؤتمرات القمّة التي قال فيها عمر أبو ريشة ما قال (لكنه لم يُثبتها في ديوانه لأنه كان كثير التملّق للأمراء والملوك في أشعاره). وأخيراً اكتشفوا نعمة المداورة في انعقاد القمم. تدور على عواصمهم كي يتناوب الطغاة على قطف هيبة الضيافة. يذهب الطاغية إلى المطار ليقبّل وجنات زعماء كان قبل أيّام يخطط لقلبهم من السلطة، أو لاغتيالهم. ومشهد لقاء المطار من المشاهد الثابتة في الحياة السياسيّة العربيّة. مدرسة في النفاق السياسي والمداهنة. يصطفّون في المطار لإلقاء التحيّة وللظهور مظهر الزعيم الإقليمي.
وليس من المبالغة في شيء القول إن زعماء العرب دون استثناء يعانون عقدة عبد الناصر (الطريف أن حازم صاغيّة ذكر قبل أيّام أن عرفات، الأسد، القذافي، صدّام كلهم فشلوا في تقليد عبد الناصر، أو الحصول على هيبته الشعبيّة. غاب عن تعداد صاغيّة ملوك سعوديّون، من فيصل إلى الذي تصعب عليه اليوم قراءة جملة عربيّة واحدة. إلى الجنادريّة تتجه الأعناق). صدّام حسين دشّن لطموحه الإقليمي ولرغبته في الصعود إلى منزلة عبد الناصر في قمّة بغداد الشهيرة. أنفق الملايين في حينه من أجل أن يبهر الزوّار والإعلاميّين العرب الذين كان يتلقّى الواحد منهم سيّارة مرسيدس ومبلغاً من المال لمجرّد الحصول على شرف مقابلة صدّام. لكن قدرة واحد من الزعماء على البروز ـــــ حتى كمُقلِّد مضحك لقيادة جمال عبد الناصر ـــــ اصطدمت بغياب صارخ للكاريزما وبالتناحر العنيف بين القادة العرب الذي بلغ مرحلة الصراعات الدمويّة في السبعينيات والثمانينيات. لكن صدّام استطاع في حربه على إيران أن يشكّل نقطة استقطاب للالتقاء الشخبوطي. استمرّ ذلك حتى اجتياح الكويت.

لا، يمكن الركون إلى القمم العربيّة من المنظار الأميركي ـــــ الإسرائيلي. قمّة بيروت عام 2002 شكّلت وصمة عار في تاريخ العار المتراكم في سلسلة القمم العربيّة. كعادته، يفخر لبنان بالقشور. النظام اللبناني زها وارتدى حلّة العيد أمام أطفال المدارس والمراسلين الأجانب. ظن لبنان أنه حاز شرفاً ما بعده شرف. لكن لبنان يفخر حتى بالإهانات من الرجل الأبيض، لأنها تأتيه من... الرجل الأبيض. ترتّبت قمّة بيروت على يد الأمير عبد الله والأمير نوّاف والأمير سعود الفيصل من أجل جورج بوش. كانت فرائص العائلة السعوديّة المالكة ترتعد في ذلك الحين. الغضب الأميركي (في الكونغرس والإعلام والرأي العام) تطلّب خدمة لإسرائيل عاجلة من جانب خادم المصالح الأميركيّة في المنطقة (تستّر الصحف العربيّة على نشر وثيقة دبلوماسيّة بريطانيّة من الأرشيف تتحدّث عن خطة أميركيّة لغزو دول النفط العربيّة، التي تشتري السلاح الأميركي لدعم الخزينة الأميركيّة ثم تعد واشنطن العدة لغزوها في حال عدم الطاعة). قمّة بيروت هديّة سعوديّة لإسرائيل من أجل كسب الرضا الأميركي. وانصاعت كل الأنظمة العربيّة لأنها هي الأخرى لا تمانع، إن لم تكن تحبّذ تقديم هدايا لإسرائيل لكسب الرضا الأميركي. مروان المعشّر زها في كتاب له بالإنكليزيّة عن الوسط العربي ـــــ كأن المعشّر يمثّل تيّاراً شعبيّاً في طول العالم العربي وعرضه ـــــ بدوره في إجهاض الكلام عن حق العودة في المشروع المهين لتاريخ النضال الفلسطيني.
القمم العربيّة تستمرّ لكننا في عصر الفضائيّات المئات. الرأي العام العربي لديه ما يلهيه: مسلسلات ورياضة وبرامج زعيق بالإضافة إلى مشاهد تسليع المرأة المغلّفة بموسيقى الأمير الوليد ـــــ هذا الأمير يختار لنا الموسيقى وقد يختار لنا طعام الفطور (فول أم بطاطا حَرّة؟) ولون الملابس عمّا قريب. القادة العرب يجتمعون في تقليد لم يعد يحظى بتغطية ملائمة. تجهد صحف الأنظمة لاصطناع أهميّة ما في التغطية. لكن الجهد صعب. التفكّك في الجسم الرسمي العربي أضعف من قدرة الأنظمة على تصنّع التضامن. محاور إقليميّة في داخل محاور إقليميّة، كما أن الأنظمة الموالية لأميركا تتنافس في الذهاب أبعد وأبعد في موالاة أميركا. أولاد الشيخ زايد، مثلاً، يريدون البروز في خدمة أميركا والتفوّق على السعوديّة والأردن ومصر في الطاعة. أميركا تقدّر لهم ذلك حسن
التقدير.

تقرأ بيان القمّة الأخير في ليبيا وتتيقّن أن هؤلاء ليسوا ولاة أمرهم. تأتيهم الأوامر، وتحدّد لهم واشنطن موعدها المُفضّل لعقد القمم. السعوديّة ومصر تعملان كالمُنفّذيْن. وعندما يشطّ أحدهم، يتعرّض للتوبيخ. لم يستطع الملك السعودي، أو لم يجرؤ، على مصالحة النظام السوري في عهد بوش. وعندما استعمل الملك، الذي يحتاج إلى أن يخضع لدورة في محو الأميّة، عبارة الاحتلال غير الشرعي في إشارة إلى... الاحتلال الأميركي غير الشرعي للعراق، تعرّض للتوبيخ والتقريع الشديديْن من مندوبين عن الإدارة الأميركيّة. توالوا على حمل الرسائل إليه، وفهم الإشارة. لم ترد العبارة على لسانه مذّاك. كما أن أميركا أوضحت له ولغيره أن قدرته على المناورة واللعب على الحبال لا يمكن أن تحيد عن خطة مباردة توماس فريدمان للسلام والتطبيع مع إسرائيل. أتت القمّة لتكرّس ذلك. والقمم العربيّة كانت في السابق تتحدّث عن خطط لتحرير فلسطين وعن رصد أموال للمعركة. اليوم، تتضمّن بيانات القمم كلاماً عن إرسال التحيّات لصمود الشعب الفلسطيني، فيما تفرض الأنظمة العربيّة حصاراً خانقاً على شعب فلسطين في غزة. التحيّات لشعب مُحاصر مرتيْن، وحصار ذوي القربى أشدّ مضاضةً...
الحل يكمن في إلغاء الجامعة العربيّة وفرطها، وفي تشكيل جامعة عربيّة شعبيّة تصل بين أبناء الشعب العربي وبناته من خلال هيئات ومنظمات وقطاعات حرة للمجتمع المدني. أما عمرو موسى، فيمكنه أن يدير برنامجاً حوارياً تلفزيونياً. التهريج على أنواعه مرغوب في شاشات آل
سعود.


* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا