الوحدة الوطنية الفلسطينية بعيدة المنال في الوقت الحالي

 

 نضال حمد*

 

إن الذي يحدث في الساحة الفلسطينية ليس فقط خلافات واشكالات بين طرفين أو عدة اطراف ، ولا هي بين سلطتين الأولى في رام الله تلتزم المفاوضات نهجاً استراتيجياً . والثانية في غزة تلتزم المقاومة ولا تدير ظهرها للمفاوضات. أنها أزمة صعبة ومعقدة بين كل الفلسطينيين أينما كانوا وحيثما تواجدوا. و تخص كل فلسطيني يغار على وطنيته وقضيته لأن مصيره وحقوقه الوطنية الثابتة في خطر شديد. فقد أثبتت الحرب العدوانية الاخيرة على الشعب الفلسطيني في غزة استحالة تحقيق سلام بالمفاوضات مع المحتلين. وأثبتت أيضاً استحالة الثقة بالمتأوسلين الذين يقضون الحياة مفاوضات لأجل المفاوضات. بينما جحافلهم القمعية قضت فترة الحرب الأخيرة تتصدى للتظاهرات الشعبية التي خرجت في الضفة الغربية لنصرة أهل غزة.

 

منظمة التحرير الفلسطينية هي البيت الفلسطيني الذي يستظل تحت سقفه كل وطني فلسطيني مؤمن بنهج المقاومة بكافة السبل لأجل العودة والحرية والاستقلال وتحقيق أماني الشعب الفلسطيني. لذا هناك فرق بين الاعتراف بالمنظمة كبيت وكيان و وطن للفلسطينيين الذين هم بلا وطن أو مشردون خارج وداخل وطنهم، وبين الاعتراف بالقيادة السياسية ومؤسسات المنظمة الحالية. منظمة التحرير الفلسطينية أسست كي تكون رافعة لنضال الشعب الفلسطيني. هكذا كانت وعلى هذه الصورة كان يجب أن تبقى وتستمر. لكنها الآن ليست كذلك لا من قريب ولا من بعيد. كما انها وللأسف لم تبق كما كانت، ولم تستمر على ماكانت عليه. فلم تتبدل مؤسساتها ، ولا تجددت وتطورت لجانها وقياداتها. كما لم تبد القيادة التي تختطفها نية للقيام بذلك. فيما تم زرع العديد من الرموز المستسلمة والفاسدة والهاربة الى الأمام في جميع مؤسساتها ولجانها وأطرها وسفاراتها ومكاتبها وممثلياتها. تلك الرموز التي لا تخجل حين تنطق باسم الشعب الفلسطيني، وتصادر قراره وتساوم على حقوقه، ثم تطالب الجميع إذا ارادوا ان يكونوا في المنظمة أن يلتزموا بقوانينها ودستورها واتفاقياتها. مع العلم أن الرموز المذكورة ومنها رئيس المنظمة وأعضاء لجنتها التنفيذية ومجلسيها الوطني والمركزي وسفراءها وممثليها في العالم ، هم الذين احتالوا على قوانينها ، وخرقوا دستورها ، وألغوا ميثاقها القومي والوطني بدون وجه حق.  ووقعوا اتفاقيات مهينة مع الاحتلال، تخلوا فيها عن معظم اراضي فلسطين المحتلة في 48 و67. كل ذلك دونما العودة للشعب ولا للمؤسسات.

 

جدير بالذكر أن جميع مؤسسات المنظمة وحتى رئيسها لم ينتخبوا من قبل الشعب. بل جاءوا نتيجة اتفاقيات بين الفصائل التي كانت تنضوي أو مازالت تنضوي في اطار المنظمة. الكثيرون منهم وضعوا في مراكزهم بناء على قرارات وفهلوات رئيس المنظمة الراحل.الذي بدوره عرف من اين تؤكل الأكتاف. فجمع في المنظمة شخصيات منوعة ، غريبة عجيبة منها من لا يعرف شعب فلسطين عنها اي شيء. هل تعرفون من هو محمد رشيد أو خالد سلام الذي عمل مستشاراً اقتصادياً لرئيس السلطة؟ ثم مضى بالملايين الى حيث لا ندري؟. هل تدرون أين هي أموال منظمة التحرير الفلسطينية؟ هل تعلمون أن مرتبات مئات أو آلاف الجرحى والشهداء والأسرى كانت ومازالت تسرق في مؤسسة الشهداء والجرحى التابعة للمنظمة؟! ... بأي قيادة للمنظمة يريدون من الشعب وقواه الحية أن يعترفوا، باللصوص والفاسدين والمنهزمين والمستسلمين والمتسلقين على شواهد قبور الشهداء وجماجمهم؟؟!.

 

باختصار أن البيت الفلسطيني مختطف ، غرفه محتلة، قراره مصادر .. للاسف الشديد لقد تعرض هذا البيت لعملية احتلال ماتزال مستمرة منذ بدأت القيادة المتنفذة في المنظمة ولوجها الاختياري و المصلحي ، الذاتي ، في عمليات السلام العديدة. فقبلت بما لا يجب أن لا تقبل به، وحصل ذلك إما حفاظاً على مكانتها وامتيازاتها واستمراريتها في مقاعد السلطة والقيادة، بعدما فقدت مصادر تمويلها الاساسية في دول الخليج، بعد احتلال الكويت وعملية عاصفة الصحراء التي جلبت الأمريكان واحتلالهم غير المباشر لكل دول المنطقة، أو نتيجة جهلها بالصراع مع المحتلين الصهاينة ومشروعهم في المنطقة.

 

 أوهمت تلك القيادة نفسها وكذلك شعب فلسطين بأن طريق المفاوضات عبر مدريد ثم أوسلو بأنفاقها السرية سوف تعود عليهم بدولة محررة ، وبعودة اللاجئين ، وبرايات فلسطين تخفق في ساحات المسجد الأقصى والحرم الابراهيمي. قكان العكس هو الصحيح إذ لا اللاجئين ولا النازحين ولا المهجرين عادوا. ولا الدولة اقيمت على الأرض ، التي كان يجب ان تتحرر، ولا السيادة عادت ، ولا الأسرى أطلق سراحهم ، ولا الحدود فتحت ، ولا الطرقات الالفتافية والمستوطنات أزيلت أو هدمت، بل شيدت مئات المستوطنات والطرق الالتفافية الجديدة / كما بني الجدار العازل الذي صادر اراضي الفلسطينيين وقسم مدنهم وقراهم وبلداتهم واراضيهم ثم عزلهم في جزر أمنية محاصرة. واستمر التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال. هذا التنسيق الذي حصد حيوات مئات الفلسطينيين في الضفة والقطاع سابقاً. وزج بآلاف الفلسطينيين في سجون ومعتقلات الصهاينة. وأبعد الكثيرين منهم داخل وخارج فلسطين المحتلة

 

السلطة الفلسطينية التي استولت على منظمة التحرير الفلسطينية لم تنجح في أي اختبار وطني منذ تأسيسها وحتى اليوم. ولم تأت بأي انجاز  وطني يذكر ، ولم تعد سوى عائق بوجه الوحدة الوطنية ووحدة الشعب وقواه. وهي أيضاً أهم عائق يقف بوجه الحوار والوحدة. مع انها سلطة غير سيادية وتخضع للاحتلال. لذا مطلوب من قيادة حماس أن تحسم أمرها من قضية السلطة ، فهي في نهاية المطاف نتاج سيء لاتفاقيات سيئة وقفت حماس ضدها طوال الوقت. ولا يمكن لحماس أن تجمع بين السيطرة على سلطة اساسها أوسلو والمقاومة في آن واحد. اثبتت التجربة السابقة عقم هذا الجمع بين الشيئين المتناقضين. فالمقاومة شيء والسلطة شيء آخر تماماً. ولكي تتحرر المقاومة من الاسلاك التي تعيق تحركها عليها ترك السلطة لشخصيات وطنية فلسطينية قريبة منها. وأن تعمل هي في مجال المقاومة من أجل مواصلة عملية التحرير. فهي تعي وكل الفلسطينيين كذلك أن سلطة رام الله اتخذت من المفاوضات نهجاً استراتيجياً لا عودة عنه. وبهذا تكون تلك السلطة قبرت وعزلت نفسها عن شعبها. وقصرت في عمرها.

 

نرى أن الحوار الوطني الفلسطيني لن يأتي في القريب العاجل. وإن جاء سيكون مضيعة للوقت. فهناك في فلسطين نهجان يتصارعان. الأول مدعوم ومسنود من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وبعض الدول العربية التي تعتبر وفق تقسيمات الغرب معتدلة. والثاني مسنود من الذين تطلق عليهم تسمية قوى الممانعة ، بالاضافة لبعض الدول التي تبحث عن أدوار لها في المنطقة. بين النهجين هناك قوى فلسطينية أخرى ضائعة ومشتتة وضعيفة وغير قادرة على اقناع الآخرين برؤيتها ، سواء كانت تلك الرؤية هي الصحيحة والمناسبة أم لا. ثم هناك بين هؤلاء كلهم شعب فلسطين أكبر ضحايا هذه الخريطة المعقدة والصعبة. هذا الشعب يراقب الحرب الضروس الدائرة رحاها بين جميع الأطراف الفلسطينية. هذه الحرب بين الأخوة ، والضغوطات الخارجية التي تمارس على بعضهم ليست بشارة خير للوحدة الوطنية. لذا فأن الوحدة الوطنية تبقى مطلباً بعيد المنال في الوقت الحالي.

 

* مدير موقع الصفصاف  www.safsaf.org

 

10-02-2009