رسالة إلى كامل التراب الوطني الفلسطيني

تشرين الثاني 1992

بقلم نضال حمد أوسلو

* كتبت على هامش مفاوضات مدريد ، واعتقد أنها لازالت صالحة وتنفع في هذا الزمن الفلسطيني الصعب، زمن الانقسام والتشرذم والاحتراب والتقاتل لأجل سلطة وهمية وسجون جماعية..

 

أنت البيرق فلا تدع الزورق يغرق.. أنت ضفة الضفاف وأجنحة النهر، وأوراق الصفصاف..فلا تتركهم وحدهم في الزفاف.. ولا تترك المجرى للدهر.. فالدهر ظالم، والظلم نير وويل..

 

أنت الموقف فلا توقف خطاك ولا تزحف ببطء، بل بقوة شعبك فيك.. تابع تقدمك..إن الشعب خلفك.. لازال معك من زمن صلاح الدين حتى انبعاث جيل عز الدين..

 

أنت الكامل والمتكامل في كامل ترابك.. فيا أنت الذي أنجبك غضبك وأنجبتك خيمة في عراء الدنيا الواسعة، التي ضاقت بك.. يا أبن التشرد المر والتمرد الحر.. يا حفيد القناديل التي تشعل ضوء الحقيقة في القلوب المطفئة.. يا سليل التلاحم والتلازم بين القلم والسيف والهوية.. أيها الوصي على اللهيب الذي لا يخبو.. ايها الولي على لثورة المنبعثة من خيام العذاب وأقفاص الحرية.. يا أبن كامل التراب وكامل العذاب وكامل الغياب!!!

 

استعد ما سلبوك بكل ما أوتيت من حب الحياة و بكل مخزونك من الملكوت الثوري، وبحمر الفكرة وكوفية الفدائي.. استعد حريتك وأرضك، استعدها حتى وان عدت لها بتابوت أو بكفن من نسيج بيروت، بلون برتقال الجنوب وعنب الخليل و رمل غزة وتراب الجليل..

 

استعد لحظات وداع أحبتك على أجنحة الموت وأزمنة الفدائي الأول، استعدهم صورة وصوت.. استعد دمعات أجدادك، وعدهم دمعة وراء دمعة.. استعد صرخات جداتك صرخة خلف صرخة.. استعد كامل غضبك ، وتذكر حين تصافح من هو أمامك بأن دماء الشهداء لن تسامحك.. وأن دموع ملتقيك لن تذرف لأجلك... أتهون عليك مصافحة كف أحفاد غولدامئير؟ ووضع كفك في كف القاتل الدخيل؟ أيهون عليك نسيان موتاك وضحاياك ؟؟ وماذا ستقول لأخوة الأمس، رفاق مسيرة الاستشهاد لأجل القدس؟

 

ايها الجلجلي المكانة! استعد قواك وكن أنت أنت حتى نكون دعما لك، وأنت في كامل وعيك..

عد للساحة فذاً، كن لهم نداً، فأنت الفذ، وأنت صاحب الحق تمتلك حق الرد..

أنت المقبول جماهيريا، المرفوض أمريكيا، الموجود حاليا فوق سحاب العروبة المظلمة والمنطقة الغارقة في التبعية.. أنت المرفوض والرافض تفجر غضبا.. كن نارنا التي تحرق من مزق قمصان ضحايانا.. كن غسيل عار أخوة التراب، ومنظف دارنا من أشباه الرجال.. كن العلم والراية والبيرق، فلا راية سوى رايتك ، ولا بيرق يخفق فوق بيرقك، ولا علم لنا سوى علمك، علم الجهاد المقدس، علم الكفاح المتواصل، والقتال لأجل حرية بيت المقدس..

 

لا سلام دونك ولا حلول.. فعد لبداياتك زهرة في عجلون، وردة في مروج الجنوب،عشب طري في الجليل، وعنقود من الغضب في كل فلسطين..

 

قف وسر متخطياً الحواجز ، سر لأنك لست بعاجز .. حطم المحاور التي لا تلد الأساور، كسر الحواجز التي بقيت عوائق، أبعث فجرك شمسا فوق البلاد العامرة، وقمرا على الليالي العربية.. أترك للشعب خيار الحوار أو القتال،خيار الطاولات التفاوضية أو العمليات الفدائية.. دع شعبك يحاورهم بلغة طيور الأبابيل، دعه يرميهم بحمم من سجيل، يرشقهم ويرحمهم بحجارة فلسطين.

 

حطم قيود التفاوض المذلة،كسر قوائم الطاولة المملة، طاولة أمريكا العدوة،وكيان الإرهاب في القدس المحتلة... أبحث عن جذورك في أرض الغضب،حط على الموقف الواضح، والنهج السليم والطريق الأسلم، والدرب الأضمن في زمن بوش الأرعن.. كن واضحا فالحق لك ومعك وحقك واضح لا يحتاج لتضخيم أو تهويل أو مزايدة.. تابع خطاك بلا تردد ومجاملة,فأنت البارود الذي يعد الأعداء بانكسار الحواجز والحدود.. وأنت الوعد والعهد وتكملة المسيرة بعد أن غاب رفاق الدرب والعقيدة.. وأنت السلم الذي يصعد نحو سماء الحقيقة الواضحة،المعلقة بجدائل فلسطين الكاملة..أنت من لحم شاتيلا وعظم صبرا، أنت النشيد الطويل،المتصاعد نحو السماء، المتمدد في الا{ض، وأنت الشرارة و الفجر المنبعث مع شمس قنبلة زمنية في حجر تغنى بروعة التحرير والحرية.. أنت الشاهد والضحية وعيون ترى في الليل كما في النهار، وتميز العار من العار.. أنت الشاهد الوحيد والممثل الشرعي الوحيد. لذا فنحن نأمرك باسم الدماء التي سالت ولازالت تسيل أن تأتمن للرسالة،وأن تحافظ على طهارة التمثيل الوحيد.. وأن لا تعيد لوطننا مراحل التسليم، والحلول السلمية المعدة سلفا.. أنت حارس قبر الشهيد وحامي مقبرة الشهداء، فبأي كلام ستحدثهم ليلا أو عند المساء؟ وبأي لغة ستخاطبهم بعد قراءة الفاتحة أمام شواهد قبورهم؟ بعربية فصحى أم عبرية قرحة..؟؟

 

هل ستحدثهم عن القرنفل أم وباء المرحلة، وعن هزيمتك في المرآة، وفي كتب التاريخ، يوم تذكر ليس كما سيذكر حمورابي ونبوخذ النصر وزرياب وكنعان، وصلاح الدين؟؟ هل ستحدثهم عن سبي العرب في جزيرة العرب؟ أم أنك ستقول لهم أنك راهنت على فارسٍ في حلم، ولما صحوت، وجدت الفارس من سرابٍ، والحلم نسمة هواء من ترابٍ.. إن التراب كان ولازال من ذهب الأحباب، ومن فضة العروبة اللامعة والناصعة البياض.. فلا تفرط به ولا تغلق الباب امام الأجيال وأهل القضية من العباد..

 

تخلص من مهزلة مدريد ومن وباء المرحلة الطاعونية, عد بالذاكرة ولذكراك عد, بكل شرايين القلب أستعد لعملية معقدة ولزراعة جديدة تحدد بذور الانتماء فيك وفينا.. أنهم يستعدون لنهش لحمك ولطحن عظمك ولتكليس جثتك.. أنهم يصبغون قمصان شهدائنا بالأبيض السلمي بالأبيض الاستسلامي, أنهم يحاولون محو الأسود من علمك وتبديل الأحمر..

 

عد أيها الفلسطيني الذي أن جد وجد وأن زرع حصد، وأن صمد انتصر .  عد وأحسب الخطى بميزان الهدى، خطوة خطوة، أن الطريق لسماك مرهون بصحوة منك، بالتفاتة منك، فلا تكن ألعوبة المواسم المضحكة، ولا مرجوحة الحكومات المستسلمة.. أنك والبندقية متآخٍ.. ألست أنت من علمني كلمة أخي بمعناها الفلسطيني؟ ألست أنت أبن أمي وأكثر من أبي؟ أنك وفلسطين مترابط، أنك لازلت تلبس قميص الشهيد الواحد، ولازلت تحتفل بواحد واحد، وبيوم الكرامة ويوم حطين.. إن كنت لازلت على العهد ، فلا ترمي سلاحك، وواصل كفاحك.. تذكر وجاهد قبل أن تمد يدك لتصافح أيدي من ذبحوك، ومن قتلوك، ومن اغتصبوا نسائك واستباحوك.. تذكر الشهداء ولا تعبث بأقوالهم ووصاياهم.. تذكر أنهم لم يمدوا أياديهم لأيدي القتلة..و كن على علم بأنهم سوف يهتزوا في قبورهم، يوم تقم بمصافحة قتلتهم.. وبعد ذلك لن يقبلوا توبة تائب، ولا اعتذار محارب، ولن يدخل جنتهم أي مهادن ومساوم ومصالح..

 

يوم تساوم وتصالح وتهادن ستجد الغلائل والسلاسل على كل طاولة ، ستجدها مفصلة من جلد إخوانك في السجون الزنازين.. وسترى على كل طاولة ظل الشهداء والضحايا..  أطراف الأطفال المبتورة ، والقرى والبلدات المهدمة، والأخرى المنهوبة والمطمورة والمنكوبة..ستجد أيدي وسيقان فتية وفتيات وأبرياء ومساكين بترها محاورك وجليسك وأنيسك في ليل الهزائم..

 

تذكر بيوت الطين وخيام التشرد واللاجئين.. تذكر قبية والسموع وكفر قاسم ودير ياسين ومحكمة عدوك الذي غرم القاتل قرشين.. قرش للمذبحة تلك والقرش الآخر لصك الاستسلام عندك..تذكر شعبك المقاوم وأنظر الحجر في أيدي أطفال غزة.. تذكر الشهداء منهم والأحياء والمعاقين واليتامى والجرحى، والذين بلا أهل لأن أهاليهم أسرى.. تذكر انخساف قمر غزة في يوم عزة،و سقوط الشهيد باسم شرعية القتل الصهيونية، وصونا للبندقية المقاتلة ومن أجل الوحدة الوطنية.. تذكره فقد كان يقاتل ويقاوم دفاعاً عن شرعية منظمة التحرير الفلسطينية.. وقد رحل باسم تلك الشرعية ولأجل القضية.. غداً أو بعد غد أو بعد بعد ما بعد غد، باسم فلسطين سوف يخرج طفله ليحاسبك.. وليعيد على مسامعك كلام الشهداء : تذكر ولا تنسى، فأما فلسطين وعودة اللاجئين، وأما القتال جيلا بعد جيل..

 

 

www.safsaf.org