قصة مكنسة بنت متشاءل ابن نكبة

 

"محمد بكري يظل موجوداً في كل بيت في مخيمات الفلسطينيين مع طفله جنين جنين كما الشهيد ناجي العلي مع طفله الكبير حنظلة."..

 

لم أكن أعرف الممثل الفلسطيني الجليلي ابن بلدة البعنة ، محمد بكري سوى من خلال أفلامه وعبر الرسائل المتبادلة. تعرفت عليه كممثل في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي في احد مساكن طلبة الجامعة في مدينة فروتسلاف البولندية، حيث جاء طالب فلسطيني بكاسيت لفيلم أذكر انه" وراء القضبان"..يتحدث عن السجون في كيان الاحتلال الإسرائيلي. هناك رأيت الشاب المتألق محمد بكري وتعرفت عليه كأول ممثل فلسطيني من داخل الداخل الفلسطيني. بعد فيلمه المذكور مرت سنوات كثيرة حتى شاهدت فيلمه الذي أثار غضب الصهاينة جنين جنين وكان ذلك في العاصمة النرويجية اوسلو. ثم عدت وسمعت بالصدفة عن فوز محمد بكري بجائزة أفضل ممثل على دوره في فيلم برايفت للمخرج الطلياني سافيريو كوستانزو  ... وكان ذلك في مهرجان لوكارنو العالمي في سويسرا سنة 2004. في تلك الفترة الزمنية من عمري المهجري او اللجوءي كنت اعمل في هيئة تحرير مجلة فلسطين الالكترونية. فسارعت بنشر تهنئة لمحمد بكري في الصفحة الأولى من المجلة. وبعد ذلك قمت بالاتصال به طالبا إجراء مقابلة معه حول الجائزة. بعد المقابلة أخذ بعض الزملاء الكتاب والأدباء والشعراء وخاصة المقيمين مثلي في اللجوء والمهجر الأوروبي يكتبون عن محمد بكري. كأنهم استعادوه بعد ضياع وفقدان ، أو كأنهم استردوه بعد غياب وسفر وهجران. فرحت بصنيعي وفرح محمد بكري العائد بجائزته لأنه وجد اخوة لازالوا يتذكرونه. ومع هذا نقول أن محمد بكري نجم كبير لا يحتاج لأحد كي يبرزه فهو دائم الحضور في السينما والفن محليا وعالمياً. فيما بعد كتب لي محمد قائلاً أنني من القليلين جداً الذين تذكروه بعد نيله الجائزة عن البطولة في فيلم برايفت. فرددت عليه قائلا : أن محمد بكري يظل موجوداً في كل بيت في مخيمات الفلسطينيين مع طفله جنين جنين كما الشهيد ناجي العلي مع طفله الكبير حنظلة.

 

مرت الأيام والأشهر ومضى على تعارفي مع محمد بكري حوالي أشهر كثيرة ويمكن القول أننا أصبحنا أصدقاء بالمراسلة والمهاتفة. قام محمد خلال تلك الفترة بإرسال فيلمه جنين جنين بريدياً من البعنة في الجليل الأعلى إلى اوسلو في أعلى الكرة الأرضية. وفي وقت لاحق أرسل لي محمد فيلمه الحديث "من يوم ما غبت " هذا الذي يتحدث عن عنصرية وعدوانية الذين سلبوا ارض الآباء والأجداد وأقاموا كيانهم على أنقاض بيوتنا ومدننا وقرانا الفلسطينية. وكانت المصادفة أن الفيلم وصلني عبر منتج سينمائي تونسي اسمه فيصل تبين فيما بعد أنه تجمعني وفيصل ليس فقط صداقة كلانا المشتركة لمحمد بكري ولكن أيضا اللغة البولندية التي يجيدها كل منا حيث تعلمناها في نفس الفترة الزمنية. هذا بحسب ما عرفت في ما بعد من أحاديثي الهاتفية مع فيصل الذي استقر في روما عاصمة التاريخ والثقافة والفن.

 

 شاهدت أفلام محمد بكري جنين جنين ، من يوم ما غبت وقبل ذلك وراء القضبان ومشاهد من فيلم برايفت. بعد ذلك طرحت على محمد فكرة استضافته في النرويج لعرض مسرحية المتشاءل وبعض أفلامه إذا سنحت الظروف. واقترحت ان يكون العرض في عدة مدن اخترنا منها اوسلو وبرغين وستافنغر. وافق محمد وباشرنا في الجالية الفلسطينية في النرويج التحضير لقدوم محمد بكري. وما هي إلا أيام حتى وصل محمد إلى اوسلو بقامته الرشيقة وشعره المنفوش، حيث كنت في استقباله في مطار اوسلو الدولي عندما شاهدته قادماً من بعيد وهو يتمايل بقامته كالسنابل في سهل مرج ابن عامر. بعد عدة ساعات من الأحاديث والنقاش شعرت كأنني اعرفه منذ سنوات طويلة. وانتابني شعور بان محمد شعر نفس شعوري. عرض محمد في مركز دار الأفلام النرويجية في اوسلو فيلمه الأحدث من يوم ما غبت، وبعد العرض ناقشه الحضور بالفيلم ومعانيه ورسالته وكان محمد يرد على الأسئلة بشكل جميل وسلس أثار إعجاب الأصدقاء النرويجيين. وفي اليوم التالي كان محمد على موعد مع الفلسطينيين في اوسلو حيث عرض مسرحية المتشاءل التي أضحكت المشاهدين وأبكتهم بنفس الوقت. ويجب ان نتحدث عن فترة ما قبل عرض المسرحية، حيث لم أكن ادري أن بطل المسرحية هو المكنسة. حضر محمد إلى اوسلو بدون بطل المسرحية، مما جعلنا نقضي ساعات صباح وظهر يوم التاسع من أيلول سبتمبر ونحن نبحث في متاجر اوسلو سيراً على الأقدام وفي السيارات عن بطل مسرحيته مدام مكنسة بنت متشاءل ابن نكبة. لم نجد سوى نصف المكنسة في سوق لبيع الأدوات المستعملة، اشتريناها للاحتياط لأننا لم نقطع الأمل في العثور على البطل حيث أن طابور احتياط الجالية من الشباب والصبايا أخذ منذ الجمعة يبحث عن مكنسة في اوسلو وجوارها. في الختام عثر عليها  طارق و غادة الطالبان الجامعيان. ولولا إسراع طارق بالاتصال بي وإخباري عن عثوره على البطل لكنت قضيت الليل انتف بالمكنسة التي وجدناها في سوق الخردة، كي تظهر قديمة ومستعملة لتليق بنكبة شعب فلسطين الذي عليه القيام بتكنيس شارعه المحلي من زبالة المرحلة التي لا تنتهي... استطاع محمد مع شريكه في البطولة ان يقدم عرضا متشائلا بقوة، حيث تساءلنا فيما بعد عن سر قوة تعلق المكنسة بالبطل والبطل بالمكنسة ، كان يقودها كسيارة مارسيديس حديثة ،وكانت تجعله يشعر كأنه  على متن طائرة ايرباص او بيونغ حديثة ، بدت المكنسة كأنها أفضل ميكرفون لتقديم حديث الساعة....قلت في قرارة نفسي قد تنفع هذه المكنسة التي تركها محمد هنا في مستودع بيتي لكنس أي تشاؤم يفكر بالإقامة معي أو عندي. لذا قررت ان أحافظ على المكنسة بانتظار عودة محمد بكري الذي تركنا لصقيع قادم ، وعاد بدفئه الجليلي إلى البلاد التي نحب .. ترك محمد الإنسان وبكري الفنان أثراً في نفسي .. أحببت محمد كما هو  جليلي جميل يحلم بما هو ابعد من إمكانيات الواقع وأقرب للمستحيل.

 

www.safsaf.org