سنة أخرى تمر والحال على حاله

بقلم: نضال حمد*

2008-01-10

انتهت سنة 2007  لتدخل سجل التاريخ البشري تاركة خلفها 365 يوماً عجيبة غريبة.

 يسأل كل واحد منا نفسه كيف كانت تلك السنة؟

ويتوقف كثيراً قبل الإجابة على السؤال. لأنها كانت كما كانت بحلوها ومرها، بحزنها وفرحها، بما جاءت به وبمن ذهب معها. فإن كانت جاءت بالأفراح سيفرح المجيب لذلك وإن جاءت بالعكس ستنعكس الانطباعات والمشاعر، حيث يتضح أنها كانت سنة عصيبة.

 إن كان السائل يتحدث بلسان شعب ستكون الإجابة أصعب وأكثر تعقيداً، لأن الشعب يعني قضية ومصير ومستقبل. وبما أنني من هذا النوع من البشر الذي يضع في سلم اولوياته العام على الخاص فإن احاباتي على الأسئلة لن تكون سهلة. خاصة أن شعبي يقبع منذ قبل ولادتي وحتى هذه اللحظات تحت نير احتلال عنصري استعلائي استئصالي خطير وعنيف وقوي ومتمكن. يحظى بدعم وإسناد ومعونة عالم شيطاني المفاهيم. عالم يرفض الاعتراف بحقوقنا ويقف مع الجلاد ضد الضحية. الشعب الذي أتحدث باسمه عرف هذا العالم وخبره منذ وعد بلفور سنة 1917. حيث أعطى الاستعمار البريطاني وعداً ملكياً بتقديم وطنه الفلسطيني للعصابات الصهيونية التي اجتمعت والتأمت من جميع أنحاء المعمورة لتقيم لها وطناً يهودياً في بلادنا. حيث صوروها للعالم على أساس أنها خالية من السكان، وقالوا أنها بلا شعب وأرادوها بلاداً لمن قالوا أنهم أمة بلا بلاد. استغلوا فيما بعد جرائم الأوروبيين بحقهم، و عقدة الذنب عند هؤلاء على ما اقترفته عنصريتهم وعقليتهم الإجرامية كي يحصلوا على كافة أنواع الدعم والإسناد مما مكنهم وأعانهم على إقامة كيان " إسرائيل" على أنقاض فلسطين، التي دمروها واستباحوها وشردوا أهلها وناسها، بعدما ارتكبوا أعمالاً إرهابية وإجرامية فاقت بهمجيتها وبشاعتها أعمال النازية بحق اليهود في أوروبا. لم تقتصر عملياتهم الإرهابية على الفلسطينيين بل طالت المبعوثين الدوليين مثل الأمير السويدي الكونت برنادوت، الذي أعد تقريراً للأمم المتحدة عن اللاجئين الفلسطينيين أدى إلى صدور القرار الدولي 194 المتعلق بالعودة والتعويض. دفع سليل العائلة المالكة في السويد حياته ثمناً لموقفه المبدئي. أما اسحق شامير أحد قادة عصابة شترن الإرهابية اليهودية و الذي أمر بقتله أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء كيان الصهاينة.

 

منذ ان حققت الحركة الصهيونية الاستعمارية طموحها ومشروعها في احتلال فلسطين وتدجين العالمين العربي والإسلامي أصبح ملايين الفلسطينيين مشردين في شتى أنحاء الدنيا. وعاش ويعيش قسماً كبيراً منهم في مخيمات اللجوء والتشرد والضياع. ولم يتوقف الأمر عند الصهاينة إذ مارست بعض الدول العربية الاضطهاد والترويع والترهيب والإذلال ضدهم. وخير مثال على ذلك ما حل بهم من قتل وترويع ومجازر في أحداث أيلول الأسود في الأردن سنة 1970. ثم في لبنان منذ لجوءهم إليه وحتى يومنا هذا. لبنان الرسمي لم يعاملهم منذ سنة 1948 إلا معاملة الغرباء بل اعتبرهم عدواً داخلياً، فمارست أجهزته الأمنية وبالتحديد المكتب الثاني اللبناني ضدهم أسوأ الممارسات. لا نريد هنا أن نُذكر بعشرات المجازر التي تعرضوا لها أبان الحرب الأهلية، ولا بالمخيمات التي أزيلت ودمرت وقتل وشرد واستبيح سكانها. ولا بالقوانين العنصرية التي زادت حدة منذ سنة 1948. إذ لا يسمح للمخيمات بالتمدد والتوسع الجغرافي، فالمخيم الذي بلغت مساحته سنة 1948 كلم مربع واحد بقي على حاله لغاية اليوم. والذي كان عدد سكانه عشرة آلاف نسمة وأصبح بعد ستين سنة نكبة ولجوء مئة ألف نسمة مازالت مساحته على حالها.إنها مقابر للأحياء، لكنها بنفس الوقت مقابر للأعداء ومشاعل نور للمقاومة والفداء، حيث منها تفجرت شرارة الثورة الفلسطينية، ومنها شهد العالم انطلاقة الفصائل الفلسطينية المقاومة. وبدون عودة هؤلاء لا يمكن ان يكون هناك سلام. فالعودة أهم من الدولة. واللاجئين الفلسطينيين في لبنان كما غيرهم لا يريدون التوطين ويرفضونه. لكن الذين يحاربونهم بالقوانين العنصرية مثل منع الفلسطيني من العمل بكثير من المهن، والتي مازال ممنوعاً من ممارستها.  ولا يحق له التمتع بضمان اجتماعي ولا طبابة ولا تأمين صحي ولا حق بالتوريث والتملك. هم الذين يضيقون الخناق عليه، فيدفعونه إلى البحث عن ملاذ آمن عبر الهجرة إلى الغرب بعيداً عن حدود فلسطين المحتلة. الويل لأمة مفتتة تعمل بناسها العجب. فماذا نقول عن أوضاع الفلسطينيين في مخيمات لبنان. لم تشهد أوضاعهم التحسن إلا في زمن وجود منظمة التحرير الفلسطينية هناك. حيث تحملت المنظمة مسؤولية عشرات الآلاف منهم. لكنهم الآن متروكين للضياع والمصير المجهول. أما الفلسطينيين بشكل عام فقد ازدادت معاناتهم شدة وحدة بعد توقف دول الخليج عقب احتلال الكويت وهزيمة العراق عن دعم المنظمة مالياً وقيامها بطرد وتسفير الآلاف منهم. ليجد الشعب الفلسطيني نفسه في نكبة جديدة. ثم ليجد قيادته المتمثلة بالمنظمة ترتمي في أحضان الأمريكان، ثم تعقد سلاماً أشبه بالاستسلام مع الاحتلال الصهيوني، مكنها من العودة إلى قسم من أراضي فلسطين، مقابل الاعتراف بشرعية الاحتلال والاستغناء عن بقية ارض فلسطين.اعتقدت تلك القيادة أنها ستصبح دولة. لكن قصر نظرها السياسي وفشلها بالتفكير الاستراتيجي تحول لعنة على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. فكانت أحدث نكبات الشعب الفلسطيني في اتفاقية اوسلو وما تلاها من اتفاقيات وبروز لقيادات سياسية وأمنية واقتصادية مرتبطة كلياً بالمشروع الصهيوني الأمريكي. ومما أدى إلى تعزيز الاستيطان في كل فلسطين والى تهويد القدس، والى الجدار العازل.وبرزت أصوات سلطوية تنادي بالتخلي عن حق العودة لعدم واقعيته. فبعد موت الرئيس عرفات وخراب فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وسيطرة جماعة أوسلو على ما تبقى منهما، ثم بروز الحركة الإسلامية بقوة فنجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية. مما سرع في كشف الخطة السياسية لجماعة أوسلو حيث أصبحت تلعب على المكشوف.

 

السنة المنتهية عرّت شجرة المستسلمين في فلسطين، وكشفت أوراق الكثيرين،فبانت الحقائق واتضحت البرامج والولاءات والخطط. وأصبحنا نرى مئات الشبان الفلسطينيين من الضفة وقطاع غزة يهاجرون ويطلبون اللجوء في أوروبا وأمريكا وكندا واستراليا. إنها حرب تهجير الفلسطينيين من أرضهم لتسهيل عملية نحر حقوقهم. لذا على الشعب الفلسطيني أن يبدأ الاستعداد في السنة الجديدة لأن القادم أصعب بكثير، إذ أن أي اتفاقية ستعقدها سلطة أوسلو مع الاحتلال سوف تكون على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

 

* مدير موقع الصفصاف الإخباري العربي النرويجي     www.safsaf.org

 

مقال الأمس

 زيارة لبلد عربي،لم تتم ... - نضال حمد- 2007-12-31

مقالات سابقة

سلام فياض : خيبة فلسطينية جديدة- بقلم : نضال حمد*

أرشيف 2007